فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 2536

وأما التعقيب الكريم على الآية الكريمة الثانية (فإن الله سميع عليم) فهو مناسب للموقف وذلك بعد التربص والفيئة، ولم يبق إلا الطلاق، فإن الله جلت قدرته يسمع ما يلفظه الزوج من تطليق ويعلم ما يكنه في نفسه من نية، سواء في ذلك قصد الإضرار بالمرأة وعدمه - وفي هذا من التخويف والتحذير ما هو ظاهر للحس الرهيف اليقظ 290.

228 - (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) - هذه الآية متعلقة بالطلاق والعدة - وقد جاء لفظ المطلقات عاما، لكن المقصود به الخصوص، وذلك في المطلقات المدخول بهن وليس المطلقات جميعا - وبذلك تخرج من المراد بالآية المطلقة قبل الدخول؛ لقوله تعالى في آية أخرى: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) وكذلك تخرج المطلقة الحامل فإن عدتها بحسب مدة الحمل وتنتهي بالوضع؛ لقوله تعالى: (أولئك الأحمال أجلهن يضعن حملهن) فالمعنى أن المطلقات المدخول بهن يجب عليهن أن (يتربصن) أي ينتظرن بعد طلاقهن مدة قروء ثلاثة؛ وذلك لتمام عدتهن - حتى إذا تمت هذه العدة كان لهن أن يتزوجن من رجال آخرين إن أردن.

أما القروء فهي جمع قلة ومفرده قرء وهو من حيث المفهوم اللغوي يطلق على الطهر والحيض؛ لأن القرء في اللغة يعني الجمع، فهو إذا أطلق على الطهر كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم - وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم - وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الحيض 291 - واختلف الفقهاء في المراد بالقرء - فقد ذهب أبو حنيفة وابن حنبل إلى أنه الحيض، وهو قول كثير من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وآخرون.

وذهب مالك والشافعي وداود الظاهري وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه الطهر - وهو قول السيدة عائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وآخرين غيرهم 292.

وقوله: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) (ما) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل (يكتمن) - والمقصود باسم الموصول، وهو الذي لا ينبغي كتمانه، موضع خلاف العلماء - فقد قيل: إنه الحيض، وقيل: بل هو الحمل، وثمة رأي ثالث بأنه الحيض والحمل معا - والراجح عندي أن الكتمان يقع على كل من الحيض أو الحمل، ولا يشترط أن يكونا معا، فربما تكتم المطلقة حيضتها زاعمة أنها لم تحض وذلك رغبة منها في تطويل العدة لحاجة في نفسها، أو تزعم أنها حاضت وهي في الحقيقة لم تحض وذلك استعجالا منها في انقضاء العدة.

وقيل المقصود بالمكتوم الحمل لتقطع صلته بأبيه الحقيقي، فقد ذكر أنه كانت عادة بعض النساء في الجاهلية كتمان ما في أرحامهن من حمل؛ وذلك من أجل أن يلحقن الولد بالزوج الجديد - وفي هذا نزلت الآية 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت