فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 2536

قوله: (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) ذلك تهديد وتخويف من الله- عز وجل- للنساء المطلقات واللواتي يمضين في الاعتداد، فإن عليهن أن يكشفن في صدق ووضوح عن حقيقة ما في أرحامهن من حيض أو حمل، ولا يبغي أن يفهم من الشرطة المخالفة ليقال: إن كانت المطلقات يؤمن بالله واليوم الآخر فليس لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وبناء على هذا فإن انعدم الشرط انعدم معه الوجوب بعد الكتمان، فإن كانت المطلقات لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا جناح عليهن في الكتمان، وذلك فهم فاسد، بل المقصود هو الإخبار أن كتمان ما في الرحم لهو عمل محرم وشنيع، بل إنه ليس من فعل أهل الإيمان.

قوله: (وبعولتهن أحق برجهن في ذلك) البعولة جمع مفرده، البعل وهو الزوج، والفعل بعل يبعل أي تزوج يتزوج، وباعل مباعلة إذا باشر زوجته 294 - والمعنى للآية أن الأزواج أحق بالزوجات المطلقات أن يراجعوهن وذلك أثناء العدة في الطلاق الرجعي، أما إذا انتهت عدتهن فإنهن أحق بأنفسهن من الأزواج المطلقين، ولهن في هذه الحال الخيار أن يرجهن لأزواجهن بعد عقد ومهر جديدين أو يمتنعن من ذلك - وإذا أراد الزوج إرجاع المطلقة قبل انتهاء العدة فله ذلك، بل هو أحق بها دون حاجة لعقد أو مهر، وليس عليه شيء إلا الإشهاد على الرجعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) .

أما كيفية الإرجاع أو صفته التي يكون فيها الزوج مراجعا في العدة فقد ذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يكون مراجعا على الوجه الصحيح المشروع إلا بالقول، وهو أن يقول لها: راجعتك - مع الإشهاد على ذلك، ولا تتم الرجعة عنده بطريقة أخرى غير القول - وقال الإمام مالك: إذا وطئ الرجل زوجته المطلقة أثناء العدة فقد راجعها، وعليه أن يُشهد على الرجعة قبل الوطء، ويكن كذلك مراجعا إذا قبّل أو باشر وهو ينوي الرجعة - وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة، كان ذلك رجعة، وعليه أن يُشهد على ذلك 295.

وقوله: (إن أرادوا إصلاحا) الزوج أحق برد زوجته المطلقة قبل انتهاء عدتها، على أن يكون قصده في ذلك الإصلاح، وهو أن يصلح شأنه معها بعد ردها، وأن يكون جادا في نشر أسباب التفاهم والود والعيش الكريم في البيت؛ لكنه إن كان يخفي في نفسه النية بالإضرار واحتباسها في أسر النكاح المنكود فذلك حرام - وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) .

وقوله: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) هذه قاعدة في العدل يقوم على أساسها التعامل بين الزوجين في البيت، فلا حيف ولا ضير ولا محاباة، بل لكل واحد منهما من الحق ما يكافئ الواجب الذي عليه.

وعلى هذا الأساس يقوم التعامل المتعادل الموزون بين الزوجين - وذلك في ضوء الآية الكريمة (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من الحقوق، على أن يكون ذلك كله في إطار من الحسنى والخلق الودود الحاني؛ لقوله تعالى: (بالمعروف) فما من تعامل بينهما أو تفاهم أو تخاطب أو أمر أو نهي إلا وينبغي أن يكون (بالمعروف) أي بالرفق والود والرحمة والحسنى.

وفي الكشف عن مقاصد هذه الآية يقول الصحابي العظيم ابن عباس: إني لأتزين لا مرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليّ؛ لأن الله تعالى قال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) .

وقال الإمام الطبري في تفسير الآية: إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت