فهرس الكتاب
قوله: (وكثير من الناس) (كثير) ، مرفوع بالعطف على (من) في قوله: (يسجد له من في السماوات) - وقيل: مرفوع على الابتداء - وما بعده خبره - وقيل: خبره محذوف وتقديره: وكثير من الناس ثبت له الثواب 20.
والمعنى: ويسجد كثير من بني آدم لله وهم المؤمنون الطائعون العابدون.
قوله: (وكثير حق عليه العذاب) معطوف على كثير الأول؛ أي كثير من بني آدم امتنع وأبى واستكبر فحق عليه العذاب.
قوله: (ومن يهن الله فما له من مكرم) أي من كتب الله له الشقاوة والمهانة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه وضلاله؛ فليس له من مكرم يكرمه بالسعادة (إن الله يفعل ما يشاء) أي يفعل في خلقه ما يقدره من الإهانة والإكرام وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون - 21
قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) } .
ذكر في سبب نزول هذه الآية أنه اختصم المسلمون وأهل الكتاب - فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم؛ فنحن أولى بالله منكم - وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها - ونبينا خاتم الأنبياء؛ فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه 22 - وأفلجه، بمعنى أظهره 23.
الله جل وعلا يتوعد الطغاة والعصاة والفاسقين عن أمره وشرعه بعقابه الفظيع الوجيع - ويشار إلى هذه الفظاعة في التنكيل بهذه الكلمات الربانية المثيرة ذات الدلالة الظاهرة على اشتداد العذاب الموعود - العذاب الواصب البئيس الذي أعده الله للمجرمين المستكبرين وهو قوله سبحانه: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) أي أحاطت بأجسادهم النار كالثياب تغشى الأبدان (يصب من فوق رؤوسهم الحميم) أي يصب على رؤوسهم الماء هو في غاية الغليان والحرارة.
فيذيب جلودهم وما في بطونهم من الأحشاء والأمعاء وهو قوله: {يصهر به ما في بطونهم والجلود}
(ما) ، في محل رفع نائب فاعل.
قوله: {ولهم مقامع من حديد} المقامع، جمع مقمع وهو من حديد، كالمحجن يضرب به على رأسه الفيل 24 والمراد بالمقامع ههنا: سياط من نار - وقيل: مطارق يضرب بها المجرمون على رؤوسهم وأبدانهم ضربا تتزلزل منه الجبال وتضطرب - وقد أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله (ص) قال:"لو أن مقمعا من حديد وضع في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض".
قوله: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) (من غم) ، في موضع نصب، بدل من الهاء في قوله: (منها) والتقدير: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم أعيدوا فيها 25 - والمعنى: أن المجرمين يحاولون أن يخرجوا من النار حين تضطرب بهم النار وتفور، فيرفعهم اللهب إلى أعلى، فتضربهم الملائكة الشداد بمقامع الحديد ضربا غليظا وجيعا لا رحمة فيه فيهوون في النار، ليجدوا من ويلها وفظاعة حريقها ما لا تتخيله الأذهان في هذه الدنيا.