قوله: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} لولا، أداة تحضيض بمعنى هلا - وهذا إخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب بهم - وتأويل الكلام: هلا إذ جاء العذاب هذه الأمم المكذبة المدبرة عن دعوة الحق، تضرعوا فاستكانوا لربهم وتوجهوا إليه وحده دون غيره غيره من الأرباب والأنداد فيصرف الله عنهم العذاب - لكنهم أقاموا على التكذيب والإعراض معاندين فأصروا على ذلك واستكبروا مستهينين مستخفين عقاب، ولذلك قال: {ولكن قست قلوبهم} أي صلبت وغلظت فأصرت على الكفران والمعصية.
قوله: {وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون} التزيين من الشيطان معناه إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر - أو جعله محبوبا مشتهى لنفس الإنسان وطبعه - وقيل: أغواهم الشيطان بالمعاصي وحملهم على فعلها وسبيل ذلك الوسوسة والإيحاء.
قوله: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء} نسوا بمعنى تركوا - أي تركوا ما ذكروا به مما دعاهم إليه رسل الله فلم يتعظوا ولم يصدقوا بل انهمكوا في المعاصي والآثام وفعل المنكرات - ولم يعبأوا بما نزل بهم من البأساء والضراء - وعقيب ذلك فتح الله عليهم أبواب كل شيء من النعم الكثيرة كالرخاء والرغد والسعة على سبل الاستدراج للظالمين الغافلين السادرين في الغي والظلم والشهوات - وذلك وجه من وجوه الفتنة الكبيرة التي تنشد إليها قلوب الكثير من البشر ممن تستهويهم المغريات والشهوات، وتستذلهم مطامع الدنيا الكثيرة فيهبطون منتكسين في ذلة وخور - حتى كانوا ضالعين في الإعراض والغواية والملذات أتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا.
قوله: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة فإذا هم مبلسون} أي فرحوا بطرا، وظنوا أن ما أتوه من الخير والعطاء الجزيل لا يغني ولا يبيد وأنه كان باستحقاقهم - عندئذ على غرة ومن غير أمارة أو قرينة مقدمة - ولا يخفى أن الإهلاك وإنزال النقمة على حين غفلة أو غرة من الظالمين لهو أشد نكاية وإيلاما - فضلا عن كون ذلك جائيا بعد رخاء وسعة من العيش الراغد.
قوله: {فإذا هم مبلسون} من البلس، بالتحريك: من لا خير فيه - والإبلاس وهو الإنكار والحزن واليأس - وأبلس بمعنى يئس وتحير ومنه إبليس - والملبس، الذي انقطع رجاؤه - والمبلسون، الآيسون من كل خير 51.
قوله: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} الدابر، معناه الآخر - دبر القوم دبرا او دبورا إذا كان آخرهم - والمراد بقطعهم هانا استئصالهم عن آخرهم فلم تبق لهم باقية - والمراد أنهم استؤصلوا وأهلكوا.
قوله: {والحمد لله رب العلمين} ذلك ثناء من الله على نفسه الكريمة لإفناء هؤلاء الأشرار المفسدين الأشرار المفسدين الذين آذوا النبيين والمرسلين والمصلحين ودوخوا العباد بمكرهم وكيدهم وعاثوا في البلاد فسادا وتخريبا - فكان في القضاء عليهم واستئصالهم نعمة من الله على الناس، إذ تخلصوا من شؤم عقائد الظالمين وفساد طبائعهم الحافلة بالخبث - فالله بذلك حقيق بالحمد والثناء، بل حقيق أن يحمده الناس ويبالغوا في الثناء عليه باستئصاله للشر والأشرار 52.