قوله: (وأزواج مطهرة ورضوان من الله) هذه واحدة من خير النعم التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة، لا جرم أن خير النعم التي يحظى بها المؤمن في حياته هي الزوجة الصالحة، وفي هذا المعنى من لطائف الزوجة الصالحة يقول الرازي: إن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن - ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب فقال: (مطهرة) ويدخل في ذلك: الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة 43.
قوله: (ورضوان من الله) الرضوان بكسر الراء وضمها أي رضا الله وهو مصدر والرضاء اسم 44 والرضوان هو أعلى منازل الكرامة لأهل الجنة، بل إن الرضوان من الله يكتبه لعباده المؤمنين الجنة لا جرم أنه خير ما عرفته الكائنات من لذائذ وطيبات، وخير ما حفل به هذا الكون المديد من مباهج وخيرات حسان.
جاء في ظلال القرآن قوله في هذا الصدد: ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع - هنالك (رضوان من الله) رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما - ويرجح - - - رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان 45.
نسأل الله جلت قدرته أن يمن علينا بفيض من رضوانه الكريم الغامر وأن يحشرنا في زمرة الأتقياء الأوفياء.
قوله: (والله بصير بالعباد) أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلا ويعاقب المسيء عدلا - وفي جملة ذلك وعد ووعيد، فهو وعد من الله لعباده المؤمنين المخلصين بإحلالهم الدرجات من التكريم والنعيم - ووعيد منه للفاسقين والجاحدين والعصاة بإركاسهم في الأذلين ليبوؤوا بسخط الله وعذابه 46.
قوله تعالى: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) .
قوله: (الذين) يحتمل إعرابه ثلاثة وجوه الأول: البدلية من قوله: (للذين اتقوا) - الثاني: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم: الثالث"مفعول به لفعل مدح محذوف."
هؤلاء المؤمنون المطيعون يقرون لله بالوحدانية المطلقة، ويؤمنون بكتبه وأنبيائه ورسالاته، ويتضرعون لله في كل آن بالدعاء له وحده أن يغفر لهم الذنوب، أي يستر عليهم ما اقترفوه من السيئات والمعاصي، سواء منها الصغائر والكبائر، وأن يدفع عنهم النار بلهيبها الحارق الذي تصطلي فيها الأبدان اصطلاء.
أما قوله (الصابرين) من الصبر، وهو حبس النفس عن الجزع، والمراد بالصابرين في الآية الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس، أو الذين صبروا عن المعاصي والشهوات وصبروا على طاعة الله تعالى.
وقوله: (والصادقين) الذين يصدقون مع الله في نياتهم وأقوالهم سرا وعلانية، وقبل غير ذلك.
وقوله: (والقانتين) يعني المطيعين.
وقوله: (والمنفقين) من الإنفاق، وهو بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير طلبا لمرضاه الله، فهم المؤتون زكوات أموالهم وواضعوها على ما أمرهم الله وبإتيانها، والمنفقون في أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها 47.