قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين 49 إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون 50 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فيتوكل المؤمنون} من المنافقين من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الخروج للقاء الروم متذرعا بخشيته من الافتتان بالجواري من نساء الروم؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم للجد بن قيس أخي بني سلمة: (هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟) فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك) ففي الجد بن قيس نزل قوله: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية 96.
والمعنى: أن المنافقين المتخلفين عن الخروج للجهاد إن كانوا يتذرعون بالاحتراز عن الوقوع في فتنة النساء؛ فقد وقعوا في عين الفتنة؛ لقد وقعوا فيما هو أشد من فتنة النساء وأعظم وهو الكفر بالله ورسوله والتمرد على دينه بعصيانه ومخالفة أمره.
قوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} النار الحامية المستعرة يوم القيامة مطبقة على الكافرين الجاحدين؛ فهي تحدق إليهم بهم إحداقا لا منجاة لهم منه ولا مهرب.
قوله: {إن تصبك حسنة تسؤهم} يعني إن أصابك الله بخير أو سرور لأجل نعمة أنعمها عليك أو فتح من عنده؛ فإن ذلك يسوء المنافقين ويسومهم التنغيص والتغيط - وفي مقابل ذلك: إذا أصابك مكروه من هزيمة أو نحوها من المساءات والأضرار {يقولوا قد أخذنا أمرنا} أي أخذنا الحيطة والحذر بتخلفنا عن الخروج وتركنا الذين خرجوا للقاء الكافرين وحدهم من قبل أن تحل بهم هذه المصيبة {ويتولوا وهم فرحون} أي يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحابه مرتدين منتكسين وقد غمرهم الإعجاب والفرح بما عملوا - لا جرم أن ذلك ديدن المنافقين الخبثاء، أولئك الذين يكنون في أنفسهم الغيظ والحسد للإسلام وأهله ويظهرون بالمداهنة والملق من الكلام الغرور أنهم مع المسلمين - وهم في حقيقة الأمر ليسوا إلا صنفا من البشر الفاسد المارق - البشر الماكر المداهن اللئيم الذي لا يستمرئ غير الغش والخيانة والخداع والتلصص، أولئك هم المنافقون في كل زمان يخفون في أفشهم الخداع والكذب، ويظهرون لمن حولهم من المسلمين أنهم منهم - والله يعلم أنهم كاذبون وأنهم لا يبتغون بانتسابهم للإسلام والمسلمين غير منافع دنيوية يريدونها لأنفسهم، أو مصالح مهينة عاجلة من المال أو الوجاهة أو غير ذلك من سفاسف الهوى وتفاهات الشهوة.
قوله: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} أبلغ المنافقين والناس انه لن يصيبنا من المكروه إلا ما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ وقضاه علينا؛ فلا شيء في الحياة والخلق غنما يجري بقضاء الله وقدره الذي لا يتخلف ولا يتبدل.