قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} : هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم - وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني عبد مناف؛ أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا - فقال عليه السلام:"يا عم؛ تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك!"- قال:"فما تريد يا ابن أخي؟"قال:"أريد منك كلمة واحدة؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا: أن تقول لا إله إلا الله؛ أشهد لك بها عند الله تعالى"- قال: يا ابن أخي؛ قد علمت أنك صادق؛ ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت - ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق؛ لما رأى من شدة وجدك ونصحك - ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف.
وفي رواية أنه لما مات ولم يؤمن اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما تنفع قرابة أبي طالب منك - فقال:"بلى؛ والذي نفسي بيده إنه الساعة لفي ضحضاح من النار؛ عليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه - وما من أهل النار من إنسان هو أهون عذابا منه"- والمراد بالآية: أنك يا محمد لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته؛ ولكن الله يهدي من يشاء أن يهديه من خلقه بتوفيقه للإيمان - {وهو أعلم بالمهتدين} أي الله أعلم بمن سبق له في علمه أنه مهتد للحق والصواب 44
قوله تعالى: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} .
نزلت هذه الآية في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم:"إنا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا".
والتخطف معناه الانتزاع بسرعة - والمعنى: إن نتبع ما جئتنا به من الحق ونتبرأ من الأنداد والشركاء يتخطفنا العرب من أرضنا، مكة؛ لأنهم مجتمعون على خلافنا وحربنا، فرد الله زعمهم وما احتجوا به، إذ قال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا} أي ألم نعطكم مسكنا لا خوف عليكم فيه - وذلك أن العرب كانوا يحترمون الحرم بالغ الاحترام فما كانوا يعرضون لسكانه البتة - وقد كانوا بغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، إذ كانوا بحرمة الحرم فلا يمسهم أحد - بسوء أو أذى، فهم بذلك آمنون يذهبون حيث شاءوا فلا يتعرض لهم أحد.
قوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} يجبى من الجباية وهي الجمع 45 أي يجمع إلى الحرم ثمرات كل بلد - والمراد بالكلية هنا الكثرة.