فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 2536

إلى هؤلاء تعلن الآية أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة - وإذا أبى الناس إلا البغية والطلب فليبتغوا الدنيا والآخرة معا لا الدنيا وحدها - فابتغاء الدنيا من دون الآخرة معناه الحرمان الفادح من عطاء الله وفضله أو هو التخسير البئيس الذي يدنو دونه كل تخسير - وخير حال للمؤمن الصادق المخلص أن يدعو بمثل ما قالت الآية الكريمة عن عباد الله الصابرين الأطهار: (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وقد جاء قوله هذا بعد قوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق) .

وقوله: (وكان الله سميعا بصيرا) الله مطلع على أعمال الناس فلا يخفى عليه شيء - وما يفعل البشر من فعل ولا ينطقون من كلمة أو يشيرون من إشارة إلا كان الله رقيبا عليهم فهو يسمعهم ويراهم ويحيط علمه بهم وبما يستكن في دخائلهم من خبايا ومكنونات.

135 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) - هذا أمر من أوامر الله للمؤمنين بأن يلتزموا بالعدل في القضاء أو الحكم أو الشهادة، فإن عليهم أن يعدلوا مهما تكن الظروف وكائنا من كان المشهود عليه - وقوله: (قوامين) خبر منصوب مفردها قوّام، وهو مبالغة من حيث الصيغة - والقوّام الذي يكون كثير القيام - واشتراط القيام المطلوب أن يكون بالقسط من غير التفات لأي اعتبار من الاعتبارات - وقوله: (شهداء) منصوب على أنه صفة القوامين - وقيل منصوب على الحال والأول أقوى.

وقوله: (شهداء لله) أي أن تأتي الشهادة بالقسط من أجل مرضاة الله وفي سبيله - والعدل أصل ركين أكبر من الأصول التي دعا إليها الإسلام - وهو أصل قامت عليه السماوات والأرض، وبالتالي قامت الحياة وما في وسطها من خلائق وكائنات - ذلك كله قد جاء بالحق والعدل، فضلا عن حكمة الله البالغة المقدورة فيما أراد وفيما قدّر وخلق.

وقوله: (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) حقيقة الشهادة بالقسط توجب ألا يتزحزح الشاهد عن كلمة الحق قيد أنملة فلا يحرّف ولا يبدّل ولا يكتم، فإن كان كذلك كان عن المقسطين، على ألا يجنح في الشهادة للسقوط في الهوى تحت ضاغط مؤثر من عاطفة الأنانية للذات أو الوالديّة التي تشد المرء نحو أبيه شدا، أو القرابة التي تثير في نفس الشاهد فيضا من الإشفاق والحياء - ولقد ذكرت الآية أصنافا ثلاثة من الناس هم أدنى الخلق إلى الشاهد، وقد جاء ذكرهم بالتحديد؛ لأنهم مظنّة التهمة بما يثير الشك أو الريبة لدى النطق بالشهادة في أي ظرف من الظروف.

وقوله: (ولو على أنفسكم) ينبغي للشاهد لدى النطق بالشهادة أن يقول الحق حتى وإن كان في ذلك ما يجعله مدينا فعلا - وذلك شرف له أمام الخالق إذ يكتبه من الصادقين الثابتين الذين ينطقون بالحق - وكفى بمثل هذا المرء أن يبوء بالفضل من الله والمثوبة وليكن بعد ذلك ما يكون مما يتصوره البشر عسيرا لا يطاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت