فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 2536

قوله تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) } يقول الكافرون الذين لا يرجون لقاء الله؛ أي لا يأملون لقاءه بالخير بسبب كفرهم بالبعث وإنكارهم يوم القيامة (لولا أنزل علينا الملائكة) أي هلا أنزل علينا الملائكة فيكونوا رسلا إلينا من دون البشر فنراهم عيانا - أو أنهم يشهدون بصدق نبوة محمد (ص) وأنه مرسل حقا من ربه (أو نرى ربنا) اشترطوا لإيمانهم بنبوة رسول الله، أن يروا الله جهرة فيخبرهم بصدق رسالة محمد (ص) ، ويأمرهم باتباعه - لا جرم أن ذلك طغيان فادح وشنيع لا يهوي إلى منزلقه إلا العتاة المتجبرون من أكابر العصاة والمجرمين - فقال الله في حقهم: (لقد استكبروا في أنفسهم) لقد أضمروا في أنفسهم من الاستكبار ما بلغوا به غاية الكفران والمعاندة (وعتوا عتوا كبيرا) (عتو) ، مصدر - والعتو، شدة الطغيان ومجاوزة الحد في الظلم؛ أي أنهم كفروا وأفحشوا في الجحود والتمرد - وغالوا في الظلم والعصيان ما تجاوزوا به كل تصور من تصورات الضلال والباطل.

قوله: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) (يوم) منصوب بفعل تقديره: اذكر - والمراد باليوم هنا ساعة الاحتضار وهو الموت - وقيل: حين تقوم القيامة (لا بشرى يومئذ للمجرمين) أي لا يرى المجرمون الملائكة في يوم خير لهم - بل يرونهم عندما يبشرونهم بالنار والويل وسوء المصير.

والمعنى: اذكر حين يرى المكذبون ملائكة الموت أو العذاب يوم القيامة فلا بشرى حينئذ لهم؛ أي يمنعون التبشير بالفوز أو النجاة.

قوله: (ويقولون حجرا محجورا) والحجر، مصدر وهو المنع - ويأتي الحجر بمعنى العقل؛ لأنه يمنع صاحبه - و (محجورا) ، تأكيد المعنى الحجر 13؛ أي تقول لهم الملائكة: حراما محرما عليكم البشرى بالخير أو الفلاح - وإنما البشرى للمؤمنين؛ إذ تستقبلهم الملائكة بما يسرهم ويبهجهم من البشائر الحسنة.

قوله: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (قدمنا) من القدوم - والقدوم الحقيقي لا يجوز في حق الله - وإنما المراد به هنا إنفاذ أمره وحكمه في أعمال الكافرين التي عملوها حال كفرهم، من صلة رحم وإغاثة ملهوف وإتحاف ضيف وعون مضطرب وغير ذلك من وجوه المكارم وأفعال الخير، فإنها جميعا لا تنفعهم عند الله وليس لهم في مقابلتها من أجر ولا مثوبة - وهو قوله: (فجعلناه هباء منثورا) الهباء معناه التراب الدقيق وهو مثل الغبار الداخل في الكوّة يتراءى مع ضوء الشمس - والمنثور معناه المفرّق - نثرت الشيء أي فرّقته - وقال ابن عباس: الهباء المنثور: ما تُسفي به الرياح وتبثه.

وحاصل ذلك: التنبيه على المقصود من الآية وهو أن الكافرين والمنافقين والمرائين يعملون الأعمال النافعة في الدنيا وهم يعتقدون أنهم على شيء - لكن أعمالهم في ميزان الله لا تساوي شيئا بالكلية، فقد شبّهت بذرات التراب أو الرماد المفرّق المبعثر في الهواء، والذي لا يقدر صاحبه منه على شيء لفرط حقارته وهوانه.

والأصل في ذلك كله: أن قبول الأعمال مرهون بشرطين أساسيين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت