بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية، وآياتها تسع وخمسون - وهي كغيرها من السور المكية من حيث السمات الوجدانية، والتأثير الشديد، ومن حيث الطابع الذاتي النافذ إلى أعماق المشاعر والقلوب وهي في جملة آياتها وعباراتها وألفاظها وما يجلل ذلك من عجائب النغم وشديد الإيقاع وما تقضي إليه الآيات من خواتيم مميزة مصطفاة-كل ذلك يشده الحسّ ويقرع القلب وينفذ إلى الوجدان أيما نفاذ - ويأتي في طليعة هاتيك المعاني الحقائق والأفكار، ما سميت به السورة وهو الدخان، وذلك في قوله: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين 10 يغشى الناس هذا عذاب أليم} وظهور الدخان ليغطي الآفاق علامة مثيرة من علامات الساعة التي تنبه الأذهان إلى أن الطامة قد أزفت - ثم يعقب ذلك البطشة الكبرى وهي الساعة بذاتها المذهلة، وفظاعتها المزلزلة.
وفي السورة بيان بأهوال جهنم وهي كثيرة وفظيعة ومريعة - ومن جملة ذلك الزقوم، هذا الطعام الخبيث الشنيع في منظره ومذاقه وهو طعام أهل النار يقسرون على أكله قسرا - وغير ذلك من الأخبار والمواعظ والمشاهد التي تضمنتها هذه السورة الكريمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم 1 والكتاب المبين 2 إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين 3 فيها يفرق كل أمر حكيم 4 أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين 5 رحمة من ربك إنه هو السميع العليم 6 رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين 7 لا إلاه إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين} .
يقال في {حم} ما قيل في فواتح بعض السور من حروف التهجي المقطعة، فالله جل وعلا أعلم بحقيقة المراد من ذلك.
قوله: {والكتاب المبين} أقسم الله بكتابه وهو القرآن وقد وصفه بالمبين،
أي الواضح في بيانه ومعناه،
الظاهر في دلائله وإعجازه وأحكامه.
قوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} جواب للقسم، فقد أنزل الله كتابه الحكيم وهو القرآن في ليلة وهي ليلة القدر - وهذه الليلة في فضلها وجلالها خير من ألف شهر - قال ابن العربي: البركة هي النماء والزيادة - وسماها مباركة لما يعطي الله فيها من المنازل ويغفر من الخطايا، ويقسّم من الحظوظ ويبث من الرحمة وينيل من الخير.
لقد أنزل القرآن العظيم جملة واحدة في هذه الليلة العظيمة الفضلى - أنزله إلى السماء الدنيا ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام تبعا للأسباب والحوادث والوقائع.
قوله: {إنا كنا منذرين} جواب ثان للقسم، أي أنزلنا القرآن لنبلغهم رسالة الحق ونبين لهم ما ينفعهم وما يضرهم.
قوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} أي في ليلة القدر يقضي الله ما يكون من السّنة إلى السّنة من رزق أو مصيبة - قال ابن كثير في تأويل ذلك: أي في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السّنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها.
قوله: {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} {أمرا} ، منصوب على المصدر - وقيل: منصوب على الحال - وقيل: منصوب بفعل مقدر، أي أعني أمرا - والمراد بالأمر القرآن فقد أنزله الله من عنده - وقيل: الأمر ما قضاه الله في الليلة المباركة من أحوال عباده {إنا كنا مرسلين} أي من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا.