دعا نوح ربه أن يهلك قومه بسبب كفرهم وتكذيبهم وعتوهم وشدة عصيانهم وتمردهم، وبما فعلوه من الخطايا الكثيرة والكبيرة فاستجاب الله دعاءه وأخذ قومه أشد أخذ، إذ أغرقهم بالطوفان إغراقا وهو قوله: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا} ما، مزيدة بين الجار ومجروره توكيدا - يعني من أجل خطيئاتهم وهي كثرة ذنوبهم ومعاصيهم وعتوهم وإصرارهم على الكفر والتكذيب {أغرقوا فأدخلوا نارا} أغرقهم الله بالطوفان ثم أحرقهم بالنار - والمراد بالنار عذاب القبر أو عذاب الآخرة {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} أي ليس لهم من دون الله من معين ولا مغيث ولا مجير، يدفع عنهم البلاء أو يستنقذهم مما نزل بهم من سوء العذاب 9.
وهذه حال الظالمين السادرين في الغفلة والباطل، الذين يزيغون عن منهج الله ولم ينفعهم النصح والنهي والتحذير، فإنهم ما يلبثون أن يفجأهم الله بعقابه الشديد ليدمر عليهم تدميرا، وحينئذ يستصرخون وليس لهم من مغيث، ويندمون ولات حين ندم.
قوله: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا} ديّارا، من الأسماء المستعملة في النفي العام
-يقال: ما بالدار ديّار وديّور - كقيام وقيّوم - وهو قول الزمخشري
10 -والمعنى: لا تترك على وجه الأرض من الكافرين أحدا ولا ديارا.
قوله: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} إن تتركهم ولا تهلكهم يدعوا عبادك الذين يأتون من بعدهم إلى الضلال ويفتنوهم عن الحق إلى الباطل {ولا يلدوا إلا فاجرا كفرا} يعني إن هؤلاء المشركين العتاة لا يلد الواحد فيهم إلا إذا بلغ فجر وكفر.
وإنما قال نوح ذلك لطول خبرته بهم ومكثه فيهم، إذ لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما - أو أن الله أخبره بقوله: {لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} .
قوله: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} دعا نوح ربه أن يغفر له ولكل مؤمن دخل مسجده أو سفينته أو بيته - وذلك هو شأن المؤمنين المتقين فإنهم لا يتخذون من غير المؤمنين الصادقين أصدقاء وخلاّنا - وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي".
قوله: {وللمؤمنين والمؤمنات} دعا ربه أن يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إلى يوم القيامة.
قوله: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} دعا الله على قومه الظالمين العتاة أن لا يزيدهم غير الهلاك والخسار في الدنيا والآخرة، وذلك لفرط عتوّهم وطغيانهم وشدة عنادهم وإعراضهم عن دين الله وإضلالهم الناس 11.