بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية وهي ثلاثون آية واسمها الواقية والمنجية والمانعة - فهي تقي صاحبها وتنجيه من عذاب النار وتمنعه من عذاب القبر - والسورة حافلة بألوان مثيرة وعجاب من المواعظ وصور التذكير والتحذير - وفيها من أخبار النار وما يكابده فيها العصاة والخاسرون من ضروب التنكيل ما يخيف القلب ويستديم في النفس طول التذكير والحذر - وهي مبدوءة بالإخبار من الله عن عظيم صنعه وبالغ قدرته في هذا الكون المنتظم الرتيب الذي لا خلل فيه ولا نشاز ولا تفاوت - كون هائل شاسع مديد، في غاية التماسك والتكامل والانسجام - وفي ذلك من عظيم البرهان ما يكشف عن عظمة الخالق المقتدر وأنه الإله الصانع الحكيم، المنفرد في الخلق والإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير 1 الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور 2 الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هلى ترى من فطور 3 ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير 4 ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير} .
ذلك تعظيم من الله لنفسه المباركة، فهو الله الغالب المقتدر، الذي خلق الكون والحياة والإنسان، وخلق السماوات السبع في غاية الإحكام والانتظام والجمال - وهو قوله سبحانه: {تبارك الذي بيده الملك} يعني تقدس الله وتعاظم، الذي بيده مقاليد كل شيء وفي قبضته وسلطانه ملكوت السماوات والأرض - وهو سبحانه لا يعز عليه أن يفعل في الخلق ما يشاء.
قوله: {الذي خلق الموت والحياة} وهاتان ظاهرتان كونيتان عظميان في غاية العجب - وهما ظاهرتا الموت وما يعنيه من حقائق مثيرة من الركود والجمود والهمود - ثم ظاهرة الحياة وما تعنيه من الحركة والسعي والجد وغير ذلك من وجوه النشاط والكد والنصب والتصرف - لقد خلق الله هاتين الظاهرتين {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ذلك قدر الله في خلقه - وهو سبحانه لا يسأل عما يفعل - فقد خلق الناس للامتحان والمساءلة ليستبين أيهم خير عملا {وهو العزيز الغفور} الله القوي الغالب، المنيع الجناب، الذي لا يغالب، وهو سبحانه يغفر الذنب لمن تاب إليه وأناب.
قوله: {الذي خلق سبع سماوات طباقا} طباقا صفة لسبع جمع طبق - يعني طبقا فوق طبق، بعضها فوق بعض - وذلك من تقدير الله وعظيم صنعه في الخلق - إذ خلق السماوات طباقا سبعا وجعلها في غاية القوة والصلابة والإحكام، وفي غاية الاتساق والانسجام {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} ليس فيما خلق الله من تنافر أو اختلاف أو اعوجاج أو تناقض أو خلل - بل هو خلق مستو منسجم مستقيم، يدل على عظمة الله الصانع الخالق.
قوله: {فارجع البصر هل ترى من فطور} يعني اردد بصرك في السماء المنسجمة المتسقة، هل ترى فيها من صدوع أو شقوق أو خروق أو خلل أو غير ذلك من وجوه الوهن والاختلال.