فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 2536

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} .

ذلك تنبيه من الله على ما منَّ به على عباده من الآلاء وهي كثيرة ومختلفة لا تحصى لكثرتها - ومن جملة ذلك: تسخير السفن {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ} أي بلطفه وتسخيره كيلا يغرقوا - وذلك بما أودع الله الأجسام من خصوصية الطفو فوق سطح الماء - فما من جسم ذي كثافة أقل من كثافة الماء إلا يطفو على الماء فلا يغرق - لا جرم أن الذي بث هذه الخصوصية لهو الله الخالق المقتدر - وهو قوله: {لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ} {من} ، للتبعيض؛ أي ليريكم بعض علاماته، وحججه الدالة على قدرته وعظيم مشيئته.

قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي فيما ذكر من الحجج الباهرة البلجة وبينات يتدبرها ويتعظ بها كل صبار شكور أي شديد الصبر على طاعة الله، والتزام شرعه وأوامره، ومجانبة نواهيه وزواجره، وكثير الشكر على أنعمه الجليلة كنعمة الإسلام خاصة.

قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} الموج أعم من الموجة - وجمع موج، أمواج - ماج البحر ويموج إذا اشتد هياجه واضطرابه - وماج الناس إذا اختلفت أمورهم واضطربت 36.

والمراد بالظلل، الجبال - وذلك وصف لحال العباد إذا ركبوا الفلك فهاج بهم البحر، وتعاظمت من حولهم الأمواج الهادرة، فغشيهم الفزع والإياس حينئذ يجأرون إلى الله بالدعاء - وهو قوله: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي دعوا ربهم وحده موقنين أنه الملاذ لخلاصهم واستنقاذهم من الهلاك دون غيره من الشركاء والأنداد - لكن نشأتهم الضالة وشدة جنوحهم للتقليد الأعمى والتعصب المذموم قد طغى عليهم وأنساهم ذكر ربهم؛ فهم إذا انكشفت عنهم الكروب، وانجلت الشدائد والأهوال عاودوا الإشراك والعصيان، وهو قوله: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} المقتصد، الموفي بما عاهد عليه الله وهو في البحر، أي أوفى في البر بما عاهد عليه الله وهو في البحر - وقيل: المقتصد، معناه المتوسط في العمل، وهو بعد أن عاين الآيات الظاهرة وهو في البحر كان ينبغي أن يقابل ذلك ببالغ الطاعة والشكران لله، وأن يبادر العبادة والخشوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت