قال صاحب الكشاف: وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء - فأما من اعتقد أن ما علمه من العمل الصالح، من الله وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدّح لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر - ويؤيد هذا القول، ما رواه الطبراني عن أبي موسى ان النبي صلى الله عليه وسلم:"من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن".
ويستفاد من الآية كراهية امتداح المرء صاحبه وهو يرى ويسمع - فقد روى الإمام أحمد عن أبي بكرة قال: مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويلك قطعت عنق صاحبك"مرارا"إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك".
وروى أحمد كذلك عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه - فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقينا المدّاحين أن نحثو في وجوههم التراب"15.
قوله تعالى: {أفرأيت الذي تولى 33 وأعطى قليلا وأكدى 34 أعنده علم الغيب فهو يرى 35 أم لم ينبّأ بما في صحف موسى 36 وإبراهيم الذي وفّى 37 ألا تزر وازرة وزر أخرى 38 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى 39 وأن سعيه سوف يرى 40 ثم يجزاه الجزاء الأوفى} .
ذكر في سبب نزول هذه الآيات عدة أقوال منها ما ذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيّره بعض المشركين وقال: لم تركت دين الأشياخ وضلّلتهم وزعمت أنهم في النار؟! قال: إني خشيت عذاب الله - فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله - فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه، فأنزل الله هذه الآية - وقيل: كان الوليد بن المغيرة قد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل {وأعطى قليلا} أي من الخير بلسانه {وأكدى} أي قطع ذلك وأمسك عنه.
قوله: {أفرأيت الذي تولى} ذلك تعجيب من الذي أعرض عن دين الله وأدبر عن طاعته.
قوله: {وأعطى قليلا وأكدى} أكدى الرجل، أي قل خيره وأكدى، أي قطع القليل وأمسك 16.
35 - (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى)
قوله: {أعنده علم الغيب فهو يرى} الاستفهام للإنكار والتوبيخ - والمعنى: أعند هذا المكدي الممسك عن الخير والعطاء، علم الغيب فعلم ما قيل له من أن احتمال أوزاره يجديه أو ينفعه.
36 - (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى)
قوله: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى} أم، ههنا فيها وجهان - أحدهما: أن تكون المنقطعة، بمعنى (بل والهمزة) .
ثانيهما: أن تكون المتصلة بمعنى (بل) 17 يعني: أم لم يخبر بما في صحف موسى، أن لا تؤخذ نفس بدلا عن نفس أخرى - وكذلك إبراهيم {الذي وفّى} .
37 - (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)
قوله: {الذي وفّى} أي قام بتبليغ الرسالة على التمام واضطلع بأعباء النبوة والصبر على ذبح ولده وعلى نار نمروذ وغير ذلك من وجوه الصبر والاحتمال والطاعة.
38 - (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
قوله: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} ذلك مما أخبر الله أنه في صحف موسى وإبراهيم - وهو أن كل نفس ظلمت نفسها بإثم أو ذنب أو شرك فإنما عليها وزر ذلك ولا يحمله عنها أحد غيرها - فكل نفس آثمة إنما إثمها عليها.