فهرس الكتاب
قوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} الاستفهام للنفي؛ أي لا تملك أنت يا محمد أن تكره الناس على الإيمان؛ لأن ذلك إنما يكون بالتصديق والإقرار، ولا يمكن الإكراه على التصديق؛ أفأنت لست إلا مبلغا، وما عليك بعد ذلك إلا أن تصدع بما يؤمر وأن تعرض عن المشركين.
قوله: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} أي ما ينبغي لنفس أن تؤمن إلا بتوفيق الله وتيسيره، أو بمشيئته وعمله - فلا يقع شيء من إيمان أو كفران خارج علم الله، أو خارج مشيئته وقضائه.
قوله: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} {الرجس} ، بمعنى العقاب والغضب - وهو مضارع لقوله: الرجز 107؛ أي يجعل الله عذابه وغضبه على المفرطين الذين لم يتدبروا آيات الله وما فيها من تذكير وموعظة، وما جملته من تحريض على خلع الشركاء والأنداد 108.
قوله تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون 101 فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين 102 ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذالك حقا علينا ننج المؤمنين} .
يأمر اله الكافرين أن يعتبروا وينظروا في ملكوت السموات والأرض وما فيهن من دلائل وبينات وتكشف عن عظمة الخالق المدبر الحكيم - فما في الكون من مخلوقات ومعلومات وظواهر إلا كان ذلك كله شواهد على جلال الصانع القادر الذي اوجد الوجود وأتقن كل ما فيه من موجود - فما من مطر ينهمر، أو رعد يقصف، أو برق يسطع، أو بحر يهدر، أو طير يخفف بجناحيه، أو ريح شديد تعصف، أو نسمة رفيقة تمس الوجود والأعصاب في لين وحنان، أو نهر سائح ينساب، أو غير ذلك من وجوه العجائب والشواهد والآيات المنثورة إلا يدل على قدرة الإله الديان.
ومع ذلك كله فإن الإنسان ظلوم موغل في التفريط، سادر في طلب اللذات واتباع الهوى والشهوات - وهو قوله سبحانه: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} ما، استفهامية وقيل: نافية - والمعنى: ما تنفع الحجج والبينات {والنذر} أي الرسل، قوما سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون - إن هؤلاء المفرطين الخاسرين لا يصدقون بعقيدة التوحيد، ولا يلتزمون منهج الله، ولا ينزجرون عن عبادة الهواء والشهوات وغير ذلك من وجوه الأوثان، ولو جاءتهم كل الدلائل والحجج؛ فهم أولو قلوب غلف مغاليق، وطبائع صلدة صم لا تتملى الحق والتوحيد، ولا تجنح لمنهج الله القويم، ولا تستمرئ العيش في ضلال الرحمن.
قوله: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} {خلوا} ، بمعنى مضوا 109، وذلك تحذير للمشركين من أن يحل بهم انتقام الله كالذي حل بنظرائهم من المشركين السابقين - فهل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا أياما مثل أيام أسلافهم الذين أخذهم الله بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.