قوله: {ما ظننتم أن يخرجوا} ما ظن المسلمون أن تخرج يهود بهذه السهولة في هذه المدة القصيرة من محاربتهم وهي ستة أيام ومع تمكنهم في حصونهم المنيعة {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} ظنت يهود - واهمين - أن حصونهم القوية البنيان تمنعهم من أمر الله إن نزل بهم بأسه - وقد كان المنافقون بقيادة عبد الله بن أبي ابن سلول يحرّضونهم على الثبات في وجه المسلمين وقد وعدوهم بالتأييد والمناصرة لكنهم سرعان ما تخلوا عنهم فلم يغنوا عنهم من بأس الله شيئا {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} أي أتاهم من بأس الله وشديد بلائه ما لم يخطر لهم على بال {وقذف في قلوبهم الرعب} ألقى الله في قلوبهم الجزع والفزع وغشيهم من الترعيب والهلع ما غشيهم.
قوله: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} كان المسلمون يهدمون ما يليهم من حصون يهود للدخول عليهم - وكان اليهود يخربونها من داخلها قبل رحيلهم عنها - فكان أحدهم ينظر إلى ما يستحسنه في بيته من الخشبة أو العمود أو الباب فينزعه - فاحتملوا من أموالهم وأمتعتهم ما أقلّته افبل فكانوا بذلك يهدمون بيوتهم عن نجاف أبوابها فيضعونها على ظهور الإبل ثم ينطلقون بها راحلين - وذلكم تخريبهم بيوتهم بأيديهم.
قوله: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} يعني اتعظوا يا أهل العقول والنهى واعتبروا مما حل بهؤلاء الظالمين، إذ لم تغنهم حصونهم المنيعة شيئا من بأس الله لما نزل بهم - وقد هدموا بيوتهم فخربوها بأيديهم تخريبا - والله عز وعلا ولي عباده المتقين فهو ناصرهم ومؤيدهم ومخزي الظالمين.
قوله: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا} لولا أن الله كتب على هؤلاء اليهود من بني النضير الجلاء وهو الانتقال أو إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى لعذبهم في الدنيا بالقتل، ولكن الله رفع عنهم العذاب بالقتل في الدنيا وجعل بدلا منه الجلاء، {ولهم في الأخرة عذاب النار} وذلك وعيد من الله لهم بأنهم صائرون إلى النار وبئس المستقر والنّزل.
قوله: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} الإشارة عائدة إلى ما حل بهم من قذف الرعب في قلوبهم وإخراجهم من أرضهم وتعذيبهم بالنار في الآخرة، فقد جعل الله ذلك جزاء لهم بسبب مشاقتهم لله ولرسوله بضلالهم وعصيانهم وفسقهم عن سبيل الحق، {ومن يشاقّ الله فإن الله شديد العقاب} يشاق بالتشديد أو يشاقق بالتخفيف - والمشاقة والشقاق بمعنى الخلاف والعداوة 3 أي من يعص الله ويخالف أمره ويعاد أولياءه المؤمنين، {فإن الله شديد العقاب} توعد الله الذين يخالفون أمره ويسلكون سبيل الضلال والباطل بأن لهم شديد العقاب في النار.
قوله: {ما قطعتم من لّينة أو تركتموها قائمة على أصولها} اللينة مفرد وجمعه اللين - وهو كل نوع من أنواع النخل سوى العجوة 4 والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل حصون بني النضير عقب نقضهم العهد أمر بقطع نخيلهم وإحراقها - واختلفوا في عدد النخلات التي قطعت أو حرقت - فقيل: إن مجموع ما قطعه المسلمون من نخيلهم وأحرقوه ست نخلات - وقيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة وقد أقرّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.