فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 2536

والإشارة هنا إلى ما سبق ذكره من تشريع لأسباب الأمن وتحصيل الخير والرزق والمعاش الحسن للناس، بما يحقق لهم السعادة والحياة الآمنة الراغدة والعيش الكريم المطمئن - وذلك يزجي بالدلائل الوافية على أن صاحب هذا التشريع لهو صاحب الحكمة البالغة وأنه العليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم، وأنه يعلم ما في السماوات والأرض - وهو جل وعلا عليم بكل شيء.

قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ذلك تخويف وترجية من الله، أو وعيد منه ووعد - فالتخويف والوعيد لمن عصاه وتمرد عليه وأعرض عن ذكره وشرعه فذلكم الأثيم الذي أعدّ الله له العقاب الشديد - وأما الترجية والوعد فلمن تاب إليه وأناب وامتثل أوامره واجتنب نواهيه - فذلكم الفائز الناجي الذي يحظى بغفران الله ورحمته - وفي التعقيب بالمغفرة والرحمة بعد العقاب ما ينشر في نفوس المؤمنين الطمأنينة والرضا لما تقرره هذه العبارة الكريمة من فضل الإحسان والتجاوز عن الذنوب والآثام.

قوله: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ} البلاغ اسم أقيم مقام المصدر وهو الإبلاغ أو التبليغ، ومعناه الإيصال - وفي الآية تخويف للناس من اللّه، لئن لم يئمنوا ويستجيبوا لله ولرسوله فلسوف يجازيهم بذنوبهم التي يستحقونها - والرسول الكريم ليس غير مبلغ لكم، وجيبته إيصال الدعوة إليكم وتبيينه ما نُزّل إليكم وهو نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} هذا تخويف بالغ ينفذ إلى أطواء النفس ليهزها من الأعماق هزًّا، وليثير فيها على الديمومة فيضًا من المشاعر المستجاشة الحرور لتظل يقظة مذعورة، كلما طرقتها قوارع هذه الكلمات الربانية النفاذة، بأن الله عالم بالظاهر المنظور، مطلع على الباطن المستور - فهو سبحانه لا يعزب عنه شيء، بل يستوي عنده المعلن والخفي المكتوم (215) .

قوله تعالى: {قُلْ لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} نزلت في أعرابي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خمر عنده فقال: يا رسول الله إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي فاقتنيت من بيع الخمر مالًا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة - إن الله لا يقبل إلا الطيب، فأنزل الله الآية تصديقًا لنبيه صلى الله عليه وسلم (216) ."

لا يستوي، أي لا يعتدل - استوى اعتدل - والاسم السواء - والخبيث والطيب جاء في تأويلهما أقوال كثيرة منها أنهما بمعنى الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي، والحلال والحرام، والكافر والمؤمن - والصحيح أن المراد بهما جميع ما ذكر - فالخبيث من كل الأقوال والأعمال والمقاصد والتصورات والمعارف والمكاسب لا يساوي الطيب من ذلك كله: فكل اثنين متناقضين من الاثنين لا يستويان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت