لقد خصت الآية الأصناف الثمانية بالزكاة - وتبين ذلك من قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية، وإنما، تفيد الحصر - فالزكاة بذلك يجب حصرها في الأصناف الذين ذكرتهم الآية وهم ثمانية دون غيرهم - وعلى هذا لا تصرف الزكاة في وجوه البر أو المشاريع الخيرية المختلفة كبناء المساجد والقناطير والجسور والسقايات وإصلاح الطرقات وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف ونحو ذلك من وجوه الخير والإصلاح - 3 وقد ذهب إلى ذلك هامة أهل العلم احتجاج بقوله تعالى: {إنما الصدقات} فقوله: {إنما} يفيد الحصر والإثبات؛ فهي تثبت المذكور وتنفي ما عداه - وذهب أنس والحسن إلى صرف الزكاة في المشاريع الخيرية ومختلفة وجوة البر والإصلاح من غير الأصناف استنادا إلى عموم قوله تعالى: {وفي سبيل الله} 126.
حد الغنى
اختلفوا في وصف الغني الذي لا يجوز معه أخذ الزكاة؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الغني هو ملك النصاب؛ فمن ملك نصابا كان غنيا، وليس له أن يأخذ من الزكاة 127.
وذهب الحنبلية في الأظهر من مذهبهم إلى أن الغنة هو مالك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك - ولو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك النصاب، وهو الظاهر من مذهب أحمد، وقال به الثوري والنخعي وإسحاق 128.
أما المالكية والشافعية في جملة قولهم: أن الغني من كانت عنده كفاية تغنيه - وعلى هذا فالفقير الذي يستحق سهما في الزكاة هو الذي ليس له كفاية من مال وهو غير متكسب؛ فمن كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملا به وليس له مال أو كسب فهو فقير 129.
قوله: {فريضة من الله} {فريضة} منصوب على المصدر؛ أي فرض الله الصدقات على المسلمين فريضة.
قوله: {والله عليم حكيم} الله عليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من الأحكام، وهو كذلك حكيم؛ إذ يضع الأشياء في مواضعها، ويدبر الأمور، خير تدبير وذلك عن حكمة بالغة وعلم أزلي مطلق 130.
قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} نزلت هذه في رجل من المنافقين يقال له نيتل بن الحارث، وكان رجلا أذلم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينظر الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث - وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حديثه شيئا صدقه، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية 131.