فهرس الكتاب

الصفحة 952 من 2536

على أن الأمانة تعم كل وجوه الواجبات وما يناط بالمؤمن أن يفعله سواء في ذلك الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من ضروب الطاعات والعبادات، قال ابن عباس في الأمانة: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله والأعمال التي ائتمن عليها العباد - وذلك يتضمن بعمومه كل ما لزم الإنسان أداؤه، من صون لمال، وأداء لدين، وبذل لزكاة، ورعاية لوطن، ورعي لزوجة وولد، وإنجاز لوجيبة أو أعمال، في غير ما غش ولا تهاون ولا انتقاص - كل ذلك أمانات تناط بالمرء كيما يؤديها على خير أداء ويرعاها تمام الرعاية - وإذا لم يكن على هذه الحال من تمام الأداء وكامل الرعاية كان من المفرطين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم.

قوله: {وأنتم تعلمون} أي تعلمون أنها أمانة، أو تعلمون أن ما فعلتم من الإشارة إلى الحلق خيانة 34.

قوله تعالى: {واعلموا أنما أمولاكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم} الفتنة هي المحنة والاختبار والإثم والعذاب - والمراد أن سبب الوقوع في ذلك كله ما ذكر في الآية من الأموال والأولاد - وقد قيل: هذا في أبي لبابة؛ لأن أمواله وأولاده كانوا في بني قريظة، فقال ما قاله لهم خوفا على أمواله وأولاده، فكانوا سببا في وقوعه في الفتنة وهي الإثم والعذاب أو البلاء والمحنة - وقيل: الآية تعم كل من يفتنون بالأموال والأولاد من الناس، وقد روي عن السيدة عائشة (رضي الله عنها) أن النبي صلى الله عليه وسلم أي بصبي فقبله وقال: (أما إنهم مبخلة مجبنة، وإنهم لمن ريحان الله عز وجل) .

وفي الآية تحذير بالغ من الله بعباده من فتنة المال والولد؛ فإن هذين الصنفين يأتيان في الأوج من زهرة هذه الدنيا - وهما تهواهما الطبائع وتمي إليهما النفوس ميلا عظيما؛ فهما رأس الافتتان، وأول ما تفتر أمامهما الهمم والعزائم تتضاءل إزاءهما الإرادات والطاقات - بل إنهما طريق الغواية التي تؤز الأعصاب وتستهوي القلوب فتجنح للاستزادة من المال وإيثار الولد على غيره.

إن في الآية هذه تحذيرا ينتبه به المؤمن الحريص كيلا يضل أو يزل أو يفتتن فيبوء بالسقوط في زمرة الخاسرين والهالكين - وللمرء في استعصامه واستمساكه دون السقوط في الفتنة عرض من الله كبير.

وشتان شتان ما بين فتنة الدنيا من مال وولد، وعطاء الله الكريم الذي جعله الله عوضا لمؤمنين المخبتين الصابرين على البلاء والمحن، الناجين من حبائل 35 الشيطان والفتن - وهو قوله سبحانه: {وأن الله عنده اجر عظيم} 36.

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} .

يخاطب الله عباده المؤمنين الذين صدقوا الله ورسوله، مبينا لهم أنهم إن اتقوا الله بطاعته، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة الأمانات؛ فإنه سبحانه يجعل لهم {فرقانا} أي مخرجا من كل سوء ومكروه - أو مما يحيق بهم من الرزايا والنوائب والمصائب، كقوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا 2 يزقه من حيث لا يحتسب؛ وقيل: المراد بالفرقان، النجاة - وقيل: الفصل بين الحق والباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت