قوله: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ذلك إخبار عن رسالة الإسلام للبشرية - الرسالة الكاملة الشاملة المعتدلة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لهداية العالمين وتخليصهم من الشرور والمفاسد والآفات النفسية والاجتماعية والفكرية وغيرها، ولتنجيهم من أهوال القيامة.
وأول هذه الواجبات من التبليغ التي نيطت برسول الله {يأمرهم بالمعروف} وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته في أوامره ونواهيه، والدعوة إلى مكارم الأخلاق كالبر والإحسان والحياء والرحمة وصلة الأرحام ونحو ذلك.
وثاني هذه الواجبات {وينهاهم عن المنكر} وهو الشرك بالله، واجتناب ما نهى اله عنه وزجر، كقطع الأرحام، وعقوق الوالدين، وأكل أموال الناس بالباطل، وظلم الناس بكل صور الظلم وأشكاله.
وثالث هذه الواجبات {ويحل لهم الطبيات} أي يحل لهم ما كان أهل الجاهلية يحرمونه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وغير ذلك من عادات الجاهلية مما كان فيه تضييق على أنفسهم.
ورابع هذه الواجبات: {ويحرم عليهم الخبائث} أي المحرمات كلحم الخنزير والربا والقمار والميتة وغير ذلك من المستقذرات كالأفاعي والعقارب والضفادع والخنافس نحو ذلك من الخبائث.
وخامس هذه الواجبات {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الإصر معناه الثقل والعهد 201؛ أي أن هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم جاء ليضع بشريعة القرآن العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة والعمل بما فيها من الواجبات الشديدة والأعمال الثقال مما تضيق به النفوس وتفتر العزائم وتنثني دونه الهمم بمرور الزمن - لقد وضع الله عنهم بشريعة الإسلام هذه التكاليف الشاقة كقرض الثوب بالمقراض إذا أصابه بول - وقيل: قرض الجلد من البول - وكذلك تحريم الغنائم، وتحريم مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها؛ فقد كانوا إذا حاضت المرأة لا يقربونها - وغير ذلك مما كان مفروضا عليهم ثم نسخ بالقرآن، أما الأغلال، فهي جمع غل، بالضم - وهو طوق من حديد يجعل ف العنق 202 والمراد به في الآية هنا، تلك التكاليف الشاقة والواجبات الثقال التي لزمت بني إسرائيل ثم نسخت بشريعة الإسلام - هذا الدين الذي بني على التيسير والسماحة وهو ما يعبر عنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) .
قوله: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} عزروه، من التعزيز، وهو التوقير والتعظيم 203 - أي أن الذين صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغروره، أي وقروه وعظموه ونصوره وذادوا عنه كيلا يخلص إليه أذى أو مكروه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني القرآن {أولك من المفلحون} أي أن هؤلاء الذين يتصفون بتلك الصفات من الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وتأييده بالمناصرة، وبذل العون له والتعظيم، واتباع ما جاء به هذا النبي من الكتاب المنزل الحكيم؛ فإنهم الفائزون الناجون في الدنيا والآخرة 204.
158 - (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
قوله تعالى: {قل يا يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون} .