فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 2536

قوله: {قال بان أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} قوله: {أم} مقروءة بكسر الميم وفتحها - أما الكسر: فهو على الأصل وهو أمي، فاجتزأ بالكسرة عن الياء وهو كثير في كلام العرب - وابن، منادي منصوب؛ لأنه مضاف - أما فتح الميم: فهو أن يبني ابن مع أم وجعلهما بمنزلة اسم واحد كخمسة عشر 190؛ فقد كان موسى شقيق هارون فهو أخوه ابن أمه وأبيه ولكن خاطبه بأخوة الأم استعطافا وليستثير فيه رقة الأمومة وعاطفة الرحم فيستجيش في قلبه الرحمة والتحنان؛ فهو بذلك يخاطبه في تودد ورأفة ولين مبينا له أنه قومه بني إسرائيل قد استضعفوه؛ أي عدوه ضعيفا، أو نظروا إليه نظرة استضعاف واستذلال، وقاربوا أن يقتلوه ثم قال: {فلا تشمت بي الأعداء} أي لا تسرهم بما يصيبني من مكروه - وذلك من الشماتة وهي سرور المرء بما يصيب الأخر من المصائب في أمور الدين والدنيا 191 والشماتة فيما بني المسلمين حرام - والمعلوم أن المسلم أخو المسلم فليس معقولا ولا مقبولا، وما هو من الدين في شيء أن يشمت المسلم بأخيه المسلم فيفرح لما أصابه من سوء أو مكروه في نفسه أو ماله أو ولد وأهله! ومن أبرز صفات المسلم: أن يجب أخاه المسلم، فيسر لسروره، ويستاء لما يصيبه من مساءة أو مصاب أو اغتمام - أما أن يفرح لابتئاسه ولما يحل به من الكروب والمصائب؛ فهذه فادحة من الفوادح الثقال التي لا تليق بالمسلمين الذين يتقون الله، وإنما هي جديرة أن يتلطخ بها طبائع الآثمين والخاطئين من السفهاء في المسلمين - وفي هذا الصدد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك) 192 وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الشماتة قائلا: (اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء) 193.

قوله: {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} أي لا تجعلني -وأنت تعاقبني- في محل من عصاك مخالف أمرك وعبد العجل بعدك ولم يعبد الله فظلم نفسه بذلك، وأنا لست من هؤلاء.

قوله: {قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} لما علم موسى براءة أخيه هارون من أي تقصير في حق قومه، وأيقن عدم تفريطه فيما كان عليه من واجب حال غيابه، دعا ربه مستغفرا له ولأخيه،

ومتضرعا إليه سبحانه أن يرحمهما برحمته الواسعة؛

فهو سبحانه أرحم من أي رحيم 194.

قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين 152 الذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 153 ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} .

ذلك وعيد من الله لأولئك الظالمين الذين عبدوا العجل باتخاذه إلها أنهم {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} أي سيصيبهم العقاب في هذه الدنيا وهو ما سينزل بهم من تكليفهم بقتل أنفسهم؛ فقد أمرهم موسى أن يقتل بعضهم بعضا - وكذلك الذلة؛ وهي التي ضربها الله عليهم ليذوقوا وبال أمرهم من صور البلاء والمذلة، سواء في ذلك ما يصيبهم من مهانة وتعذيب وإخراج وهوان على أيدي مختلف الشعوب والممالك والحكام، ثم يفضون بعد ذلك إلى العذاب الأشد يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت