قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي من تجاوز حد الله وتعرض للصيد بعد بيان أن هذا التشريع ابتلاء - وقيل: بعد ما بينه الله من التحريم والنهي عن الصيد {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} المراد عذاب الدارين - فعذاب الآخرة يعلمه الله ويعلم كيفيته ومداه - أما عذاب الدنيا فهو أن يضرب ظهره وبطنه جلدًا - وقيل: المراد عذاب الجلد في الدنيا فقط - وهو قول ابن عباس.
95 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يراد بالقتل كل فعل يفضي إلى الموت كالنحر والذبح والخنق والرضخ (الكسر والدق) وغير ذلك - فقد حرم الله على المحرم حال إحرامه فعل كل ما يمات منه - والمراد بالصيد هو صيد البر دون البحر، فاللام هنا للعهد.
وقوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي وأنتم محرمون - بحج أو عمرة - والحرم بالضم جمع حرام وهو يقال للذكر والأنثى - فنقول: هذا رجل حرام - وهذه امرأة حرام - والإحرام معناه الدخول في الشهر الحرام أو في الحرم - والحرام بمعنى المحرم - والمراد به من أحرم بحج أو عمرة وإن كان في الحل - وكذلك من كان في الحرم وإن كان حلالًا - أي أن كلمة {حُرُمٌ} تتناول من كان محرمًا ومن كان داخلًا في الحرم - وبذلك لا يحل قتل الصيد إلا للحلال وهو في الحل - وليس له أن يقتله وهو في الحرم.
على أن الصيد المنهي عن قتله من حيث نوعه موضع خلاف - فهو عند الشافعية يتناول مأكول اللحم فقط - أما غير مأكول اللحم من حيوانات البر فيجوز للمحرم قتله.
أما الجمهور فقد ذهبوا إلى تحريم قتل حيوانات البر جميعها سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم - ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور"وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور"وكذا الحية فإنها لا شك في قتلها وليس في جواز ذلك خلاف.
وألحق بعض العلماء بالكلب العقور: الذئب والسبع والنمر والفهد؛ لأنها أشد ضررًا منه - وهو قول المالكية والحنبلية - ويستأنس لذلك بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال:"اللهم سلّط عليه كلبك بالشام"فأكله السبع بالزرقاء.
وقالوا أيضًا: يستثنى من ذلك صغارها، سواء صغار المنصوص عليها أو صغار الملحق بها من السباع فلا يحل قتلها؛ لأنها لا تصول على الإنسان ولا تضره وقالت الشافعية: يجوز للمحرم أن يقتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق في ذلك بين صغاره وكباره، والعلة الجامعة في ذلك كونها غير مأكولة.