وكذلك استشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها، إلى غير ذلك من وجوه المشاورة في مختلف الأحوال والوقائع مما ليس فيه شرع؛ لما في ذلك من تطيب لقلوب المسلمين وترويضهم على المشاورة وإسداء النصائح والسديد من الأقوال في صراحة مكشوفة لا تعرف اللبس أو المداهنة أو المصانعة، عسى أن يكون في ذلك ما ينتفع به المسلمون فيجتنبون مواطن التعثر والزلل.
ولئن كان ذلك شأن النبي في مشاورة القوم لاتنزاع الأصلح من الرأي، وهو عليه السلام في القمة الرفيعة من درجات الذكاء والفطنة والعبقرية، وهو المؤيد أيضا من الله بالوحي والعصمة والكلاءة، فلا جرم أن يكون المسلمون من بعده أشد حاجة للمشاورة كيما يكون مبدأ الشورى راسخا في أذهانهم، فيطبقونه في كل الأحوال - وفي ذلك من نشر المودة وتبديد المباغضة والأثرة ما يثير في المسلمين النزوع للتفاهم والتآخي ومبادلة الثقة - وبخلاف ذلك تشيع فيهم علائم الريبة وانتفاء الثقة والاستبداد والجنوح للطغيان والتسلط.
قوله: (فإذا عزمت فتوكل على الله) العزم معناه قصد الإمضاء، عزم على الأمر يعزم عزما وعزمه واعتزمه وتعزم أي أراد فعله وقطع عليه أو جدّ في الأمر 259.
أما التوكل فمعناه الاعتماد على الله مع إظهار العجز - والاسم التكلان - 260 والمعنى المراد أنه إذا حصل الرأي المشفوع بالمشورة فلا ينبغي الاعتماد عليه، بل يجب الاعتماد في كل حال على الله - فهو سبحانه يكتب لعباده السداد والتوفيق، ويجنبهم مزالق الضر والشر والعثرات - وعلى هذا لا ينبغي لمسلم أن يعتمد على أحد غير الله من المخاليق، بل المسلم مكلف أن يتخذ من الأسباب ما يجده موصلا لمراده من غير أن يكون في ذلك توكل أو اعتماد على شيء أو أحد سوى الله - وما كان لمسلم أن يعتمد على ذاته وما أوتي من عزائم وقدرات ومواهب، ولا أن يعتمد على عظيم ولا ملك ولا جبار ولا غير هؤلاء من مشاهير الدنيا وذوي الجاه والسلطان - ومع ذلك فإن المسلم مكلف بالسعي والجد والعزم مهما تكن النتائج - والله جلت قدرته يتعبد عباده بوجيبة الأخذ بالأسباب كيلا يؤخذ معليهم مثلبة التقصير والتفريط، أو العجز والكسل.
قوله: (إن الله يحب المتوكلين) ذلك أن التوكل على الله من غير عجز ولا تواكل ولا تفريط، إنما يشير إلى صدق الإيمان بالله، وإلى تمام الثقة واليقين بكمال قدرته، وأنه يجبر عبادة المخلصين المخبتين، وهو سبحانه خير مجير ومعوان 261.
قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون) ذلك تحريض من الله للمؤمنين على أن يديموا التوكل على الله وليس على غيره؛ فإن الأمر كله بيده الله - وهو جل وعلا يهب عباده النصر، أو يكتب لهم الخذلان - وما من شيء يصدر في هذا الكون إلا بقدر محسوب وموزون - وعلى هذا إذا كتب الله لعباده النصر فلن يغلبهم أحد، وإن أراد الله لهم غير ذلك من الهزيمة والخذلان فليس من أحد من آحاد هذه الدنيا يقوى على نصرهم بعد خذلان الله لهم - فما على المؤمنين بعد هذه الحقيقة الراسخة إلا أن يحسنوا التوكل على الله والاعتماد عليه اعتمادا تنشد به قلوبهم إلى الباري انشدادا - وذلك هو شأن المؤمنين الصادقين المخبتين فإنهم إنما يتوكلون على الله حق التوكل بعد أن يستنفدوا كل أسباب الكد والجد والعزم.