فهرس الكتاب
واختلفوا في تعيين المراد بذلك - فقد قيل: المراد المنافقون - وقيل: المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف في أنفسهم لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم، فيظهر الله ذلك يوم القيامة.
قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون} أي لو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا لصاروا ورجعوا إلى ما كانوا يعملونه من إشراك بالله وجحود لآياته وفعل السيئات والمنكرات - لسوف يعودون لمثل ذلك كله حتى وإن عاينوا العذاب معاينة - فقد عاين إبليس ما عاين من آيات ورأى من الدلائل الظاهرة ما رأى لكنه طغى واستكبر وفسق عن أمر ربه - والله تعالى يعلم أنهم كاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المصدقين.
قوله: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} إن، أداة نفي {هي} في محل رفع مبتدأ - حياتنا، خبر هي 35.
هذا إخبار من الله تعالى عن مقالة هؤلاء المشركين الضالين إذ قالوا: {إن هي إلا حياتنا وما نحن بمبعوثين} نحن اسم ما - بمبعوثين خبرها - لقد أنكر هؤلاء الظالمون البعث بعد الموت وكذبوا أن الله يحيى الخلائق بعد مماتها وأعلنوا في اجتراء فاجر كنود أنه لا حياة بعد الموت ولا نشور بعد الفناء - بمثل هذه المقالة الظالمة الفاجرة يهذي المشركون والملحدون والكفرة في كل زمان - أولئك الذين تعطلت فيهم العقول وفسدت فيهم الفطرة فسادا أركسهم إلى الحضيض من العماية والانفتال والتمسيخ.
قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا} وقفوا أي حبسوا - يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد ما سوف ينزل بهؤلاء المكذبين من الهول المفظع، إذ يحبسون على ربهم ينتظرونه أن يقضي فيهم - لا جرم أنه موقف رعيب ومزلزل لا تطيقه العزائم وتهبط دونه الهمم والقدرات - وإذ ذاك يخاطب الله هؤلاء الظالمين سائلا إياهم في تقرير وتوبيخ {أليس هذا بالحق} أليس هذا البعث الذي كنتم تكذبونه والذي عاينتموه الآن بعد مماتكم حقا؟ فأجابوا مقرين مذعنين مؤكدين اعترافهم بالقسم فقالوا: {بلى وربنا} قوله: {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي ذوقوا مس العذاب بكفركم وتكذيبكم بالبعث وبالعذاب الذي لاقيتموه الآن 36.