قوله: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} أي إن علم المنافقون أنه سيحكم لهم فإنهم يأتون إليه مبادرين منقادين.
وذلك هو ديدن المنافقين الذين في قلوبهم مرض والذين يعبدون الله على حرف من ضعاف الإيمان؛ فإنهم لا يستجيبون للحق حبا في جلال الله أو طمعا في مغفرته ورضوانه؛ بل إنهم طامعون في قضاء حوائجهم ومنافعهم - فحيثما كانت منافعهم ومصالحهم وحاجاتهم الخاصة بهم توجهوا مذعنين منقادين - وإن علموا أن الحكومة 70 ليست لهم تولوا معرضين مستكبرين - وليس هذا شأن المؤمنين المتقين أولئك الذين يرتضون بحكم الله في المنشط والمكره، وينقادون لأوامره في كل الأحوال راضين طائعين مخبتين.
قوله: (أفي قلوبهم مرض) الاستفهام للتوبيخ والتقريع - والمرض هنا بمعنى النفاق؛ أي هل في قلوب هؤلاء المستنكفين المعرضين عن حكم الله نفاق؟.
قوله: (أم ارتابوا) أم أصابهم الشك فزال يقينهم برسول الله (ص) وبنبوته (أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله) وذلك استفهام آخر يتضمن توبيخا شديدا لهؤلاء المستنكفين المنافقين؛ أي هل يخشون أن يجور النبي (ص) أو يظلم في قضائه وحكمه؟ فإنما يقضي النبي (ص) بين الناس بما أوحي إليه من ربه وذلكم العدل المطلق، والحق الأبلج المستبين.
قوله: (بل أولئك هم الظالمون) (بل) إضراب عن تعلتهم الكاذبة بخوفهم أن يحيف الله عليهم ورسوله؛ فإن الله لا يظلم أحدا مثقال ذرة - ولكنهم هم أهل ظلم لأنفسهم - فهم متلبسون بالشرك والضلالة والباطل، ضالعون في الخطيئة والمنكر واتباع الشهوات.
ويستفاد من هذه الآية وجوب إجابة الدعوى إلى الحاكم المؤمن؛ لأن الله تعالى ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه فلم يجب- بأقبح الذم، ومن المعلوم في أصول الفقه أن حد الواجب ما ذم تاركه شرعا.
قال بن خويز منداد - من علماء المالكية-: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو عداوة بين المدعي والمدعى عليه.
قوله: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) (قول) ، خبر (كان) منصوب، واسمها مصدر (أن يقولوا) - وهذا ذكر لحال المؤمنين الطائعين، بعد التنديد بالمنافقين المدبرين عن دين الله، المعرضين عن شرعه وحكمه في خصوماتهم - فالمؤمنون الصالحون المصدقون إذا دعوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله ليقضي بينهم وبين خصومهم في خصوماتهم إنما يبادرون بالقول: سمعنا ما قيل لنا، وأطعنا ما أمرنا به، وإن كان ذلك فيما يكرهونه أو يضرهم.
قوله: (وأولئك هم المفلحون) ذلك إطراء لهؤلاء المؤمنين المصدقين المبادرين بالطاعة؛ فإنهم الفائزون في هذه الدنيا بالخير والأمن والسعادة، الناجون في الآخرة من التعس وسوء المصير.