قوله: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} وذلك إخبار آخر من الله عن قيل النفر من الجن وهو أنا منا المسلمون أي المستسلمون لله الخاضعون لأمره، المذعنون له بالطاعة والإنابة {ومنا القاسطون} أي الجائرون - أو المائلون عن الحق، الناكبون عن سواء السبيل - والقاسطون، من القسوط، وهو الجور والعدول عن الحق، بخلاف القسط وهو العدل 10.
قوله: {فمن أسلم فأولئك تحرّوا رشدا} فمن رام الهدى والصواب فأطاع الله واستسلم لأمره فأولئك قصدوا الطريق المستقيم.
قوله: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} أما الجائرون الزائغون عن دين الله،
الفاسقون عن أمره فأولئك هم وقود النار،
إذ تتسعر بهم جهنم وتضطرم بهم اضطراما.
قوله: {وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} وهذا من قول الله سبحانه، وهو أن لو استقام هؤلاء القاسطون، الجائرون المائلون عن دين الله- على طريقة الحق والاستقامة فأطاعوا الله واجتنبوا عصيانه والإشراك به لأسقيناهم من السماء ماء كثيرا فوسعنا عليهم في الرزق وبسطنا لهم في الدنيا بسطا.
قوله: {لنفتنهم فيه} أي لنبتليهم أو نختبرهم به فنعلم شكرهم فيه على نعمة الله.
قوله: {ومن يعرض عن ذكر ربه} يعني من يعرض عن القرآن فلم يعبأ به ولم يعمل بمقتضاه {يسلكه عذابا صعدا} يعني يدخله عذابا شاقّا شديدا - أو عذابا ذا صعد - والمشي في الصعود شاق 11 والصّعود، بفتح الصاد معناه العقبة الكئود 12.
قوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا 18 وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا 19 قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحد 20 قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا 21 قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا 22 إلا بلاغا من الله ورسالته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا 23 حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} .
يأمر الله عباده أن يوحّدوه في أمكن عبادته وهي المساجد وأن لا يعبدوا معه غيره من المخاليق في المساجد كما كان اليهود والنصارى يفعلون - كانوا إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا مع الله غيره في عبادتهم فقال سبحانه: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} يعني وأوحي إلي أن المساجد لعبادة الله خاصة فلا تعبدوا مع الله أحدا سواه ولا تشركوا بالله فيها شيئا، بل أفردوه بالتوحيد والعبادة مخلصين له الدين.
قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} يعني لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم {يدعوه} أي يعبده، وذلك ببطن نخلة حين كان يصلي ويقرأ القرآن كان الجن حين استمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم {يكونون عليه لبدا} أي يركب بعضهم بعضا ازدحاما حرصا على سماع القرآن - أو كانوا يزدحمون عليه متراكمين إعجابا بما سمعوه من القرآن الذي لم يروا كمثله ولم يسمعوا بنظيره من الكلام كله - أو تعجبا مما رأوا من عبادته (عليه الصلاة والسلام) واقتداء أصحابه في القيام والقعود والركوع والسجود.