فهرس الكتاب
والمعنى، أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل هذا الكتاب الحكيم؛ إذ لا يستطيعون مضاهاته البتة - ولو علموا من أنفسهم الاقتدار على الإتيان بمثله أو شيء منه لبادروا دون إبطاء أو وناء مبتغين بذلك إحراج النبي (ص) والتشكيك في قرآن الله، بدلا من الاستعداد لهذه المهمة بالحرب كي يواجهوا الإسلام والمسلمين فتزهق بذلك أرواح رجالهم وتفنى أموالهم - وذلك يكشف عن عجزهم الكامل عن محاكاة القرآن أو معارضته، فضلا عن الإتيان بمثله - (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) والظهير، معناه المعين 107؛ أي لو تكلفوا كل الأسباب والجهود من أجل الإتيان بمثل القرآن- وهم يعين بعضهم بعضا- لعجزوا بالغ العجز، ولصاروا إلى الخذلان والخسران.
ومن أظهر الأدلة على ذلك، تلك المحاولات التاعسة المخزية التي انزلق فيها نفر من الأشقياء والمغرورين والمخدوعين من أمثال الكذاب مسيلمة؛ ذلك الجهول الغاشم الذي تولى كِبْره في الأرض، سادرا في حماقته، واغتراره، وهو يزدرد من الكلمات ما هو فاضح وسقيم ومكذوب - فما كان هذا الدجال المأفون إلا مفتريا على الله الباطل من الكلام المضطرب المهين زاعما أنه من عند الله افتراء عليه، حتى استطار زيفه وشاعت في الآفاق حماقته وبات على الدوام مدعاة للعن اللاعنين وسخرية المستسخرين 108.
قوله تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا} (صرفنا) ، مفعوله محذوف - و (من) في قوله: (من كل مثل) زائدة، وهو المفعول به و (صرفنا) ، أي أجرينا ورددنا - صرف الحديث بسكون الراء؛ أي أن يزاد فيه ويحسن - والمعنى: أن الله جل وعلا أجرى القرآن على أساليب مختلفة تقتضي زيادة في البرهنة والتدليل لأهل مكة (في هذا القرآن من كل مثل) أي ردد للناس في كتابه الحكيم من مختلف المعاني والمشاهد والعبر، ما يبيّن لهم وللبشرية كافة أن هذا الكلام معجز، وأنه منزل من لدن حكيم حميد 109.
ومن الظواهر المتجلية في القرآن أنه تتزاحم فيه المعاني المختلفة بتعدد مجالاتها وضروبها وأساليبها ليتذكر السامعون وتستيقن قلوبهم، وليعلموا أن ما جاءهم به رسول الله (ص) لهو الحق والصدق.
قوله: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (كفورا) ، مفعول به للفعل أبى، وهو استثناء مفرغ؛ أي لم يفعلوا إلا الكفور، بضم الكاف - والمراد بأكثر الناس، الكافرون في زمن النبوة من المشركين وأهل الكتاب؛ فقد أبوا إلا أن يجحدوا الحق وهو القرآن إذ كذبوا به واستيقنته أنفسهم من الداخل.
قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان رب هل كنت إلا بشرا رسولا (93) } .