فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 2536

قوله: {أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} فنعمل منصوب على جواب التمني بالفاء بتقدير 82 أن يتمنون كذلك أن يردوا إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح فيعملوا غير ما كانوا يعملونه إبان غفلتهم وعصيانهم ولا يعدو ذلك دائرة التمنيات الحائرة الشواطح يطلقها الخاسرون الهلكى لما طغى عليهم اليأس وعضتهم الندامة عضا لا يجديهم ولا يغنيهم من العذاب الواقع شيئا - ولذلك قال: {قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} خسروا أنفسهم، بإهلاكها وإسقاطها في العذاب الأليم الدائم - وذلكم هم الخسران الكبير - وفوق خسرانهم هذا {صل عنهم ما كانوا يفترون} أي بطل ما كانوا يلفقون من الأكاذيب والافتراءات على الله - أو غاب عنهم ما كانوا يتخذونهم شركاء مع الله فيعبونهم معه أو من دونه - وهذا شأن المشركين الضالين في كل زمان؛ إذ يتخذون مع الله أربابا من دونه سواء كانت الأرباب من الجوامد الصم كالأصنام، أو البهائم التي لا تعي ولا تنطق كمن يقدس البقر ويتخذها مع الله شركاء، أو كان المعبود من البشر كالرؤساء الطواغيت أو الساسة والملوك الجبابرة المتسلطين الذين يستعبدون الناس استعبادا ويستخفونهم لطاعتهم استخفافا.

والرعاع وعامة الناس -وهم أكثر البشرية- يخفون في همة بالغة ونشاط ليس له نظير، لطاعة هؤلاء الجبابرة العتاة في كل ما يأمرونهم به - ولا يتردد المستخفون الرعاع يبادرون الطاعة لأسيادهم، ولو كلفهم ذلك الخروج عن منهج الله، وعصيان الله فيما أمرهم به - وذلك ضروب من ضروب الإشراك بالله يهوي فيه الضالون الخائرون 83.

54 - (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ذلك إخبار من الله عز وجل عن غيبه المستور وعلمه الخفي المكنون الذي لا يحيط به إلا هو، بما يدل على عظيم صنعه وبالغ قدرته وإرادته وحقيقة وجوده التي حفل بها الوجود كله والتي تشهد لها كل الحقائق والخلائق والدقائق كافة - إن ذلك كله يشهد بما يشهد الحس شدها ويقرع الجنان والعقل قرعا، على أن الله لهو ذو الجلال والإكرام وأنه الخالق الموجد المبدع - ومن جملة خلقه، خلق السموات والأرض بكل ما فيهما وما بينهما من عجائب كبريات وغرائب بواهر، وذلك في ستة أيام - ولا نقف على حقيقة المراد بالأيام هذه إلا ما أوفقنا عليه ظاهر النص من غير تكلف في ذلك ولا تمحل أو إقحام للعقل فيما لا يطيق أو يحتمل؛ فقد قيل: ستة أيام كأيام الدنيا - وقيل: ستة أيام كأيام الآخرة - والله أعلم بما يريد - مع أن الله قادر أن يخلقهما في طرفة عين أو دون ذلك إن شاء، لكنه يفعل ما يشاء؛ فالسموات والأرض من خلقه، والأيام من صنعه وتقديره، وله أن يقرر ما يريد دون معقب من أحد أو نديد - وفي هذا الصديد يقول سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في سنة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور - وفي الحديث مما رواه أبو يعلي وغيره عن أنس: (التأني من الرحمة، والعجلة من الشيطان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت