فهرس الكتاب

الصفحة 1159 من 2536

فقد أرسل الله إليهم نبيه شعيبا عليه السلام، وكان من أشرفهم نسبا، فقال لهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره} أي أقروا الله وحده بالعبودية دون غيره من الأنداد، وأفردوه وحده بالإلهية دون غيره من الشركاء، وأذعنوا له بالطاعة والانقياد.

قوله: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} {المكيال} ، ما يكال به، وجمعه: مكاييل 113 - و {الميزان} : الآلة التي توزن بها الأشياء 114؛ أي تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم؛ فقد كان أهل مدين فرق إشراكهم وكفرهم وعبادتهم للأوثان، أهل بخس وتطفيف في المكيال والميزان - فكانوا إذا باعوا أعطوا دون ما يستحقه المشتري - وإذا اشتروا قبضوا أكثر من حقهم، فهم في الحالين مستزيدون أكثر مما يستحقون - وذلكم ظلم وخيانة وغش - فنهاهم الله عن هذا الخلق الذميم الذي يجر لهم السحت ثم يجرجر في بطونهم النار يوم القيامة - قوله: {إني أراكم بخير} يعني أراكم تنعمون في البحبوحة والسعة وكثرة النعم فلا حاجة لكم إلى البخس في الكيال والميزان.

قوله: {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} أي مهلك - وهو من قوله تعالى: {وأحيط بثمره} أي أهلك، وأصله من إحاطة العدو - والمراد: أن شعيبا خشي على قومه من عذاب الاستئصال في الدنيا، أو العذاب البئيس في الآخرة 115.

قوله تعالى: {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين 85 بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} أمر شعيب قومه بإيفاء الناس حقوقهم مما يكال أو يوزن بعد أن حذرهم البخس والتطفيف في الكيل أو الوزن، وذلكم هو القسط، أي العدل - ثم نهاهم كذلك عن بخس الناس أشياءهم سواء في ذلك مما يكال أو يوزن أو غير ذلك من مختلف الحقوق - والبخس معناه النقص.

قوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} {تعثوا} ، أي تفسدوا - عثا عثوا وعثيا: أفسد أشد الإفساد - وعثي عثوا وعثيا وعثيانا: أفسد كذلك 116؛ فقد نهاهم شعيب عن الإفساد في الأرض، وهو يدل على أن التطفيف أو البخس في المكيال والميزان خيانة وإفساد شديد في الأرض.

قوله: {بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} ما بقي لكم من الحلال بعد إيفاء الناس حقوقهم وبعد الاستبراء من المال الحرام خير لنفسكم، مما تكسبونه من فضل التطفيف والبخس، فلا جرم أن يكون الحلال خيرا؛ فهو أنفع وأدوم وأعظم بركة - وذلك {إن كنتم مؤمنين} إن كنتم على الإيمان بالله والتصديق باليوم الآخر حيث العذاب والخزي والمطففين والخائنين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل.

قوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} أي لست أنا رقيبا عليكم فأرى كيلكم ووزنكم، وإنما الله هو الرقيب عليكم - وقيل: لا أقدر أن أحفظكم من زوال النعمة عنكم بسبب معاصيكم، فاحفظوا نعم الله عليكم بخشيته ومجانبة عصيانه بالبخس والتطفيف 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت