قوله: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) الأفئدة القلوب، جمع فؤاد - وهو من التفؤّد بوزن التفعل؛ أي التوقد والتحرق - فأدتُ اللحم أي شويته - وافتأدوا أي أوقدوا نارا - ولحم مفتئد أي مشوي 48 وقوله: (من) للتبعيض؛ أي اجعل أفئدة من أفئدة الناس تحنّ وتهفو إليهم وتسرع شوقا وودادا إليهم.
كذلك كان تقدير الله، وهو أن يدعو إبراهيم ربه أن يجعل فريقا من الناس- وليس كل الناس- تهفو قلوبهم وتميل شوقا لمكة - وقيل: لو قال عليه السلام: أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم والناس جميعا سواء فيهم اليهود والنصارى - قوله: (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) وهذه مسألة أخرى من إبراهيم يتضرع بها إلى ربه أن يرزق ذريته في مكة من خيرات البلاد، وأرزاق يسوقها الناس والعباد، كأن تستجلب إليهم هذه الثمرات من أقطار الأرض الواسعة المترامية - وقد تحقق ذلك بعون الله وتقديره؛ إذ استجاب دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فأسبغ على مكة، البد البلقع القفر من صنوف الطعام والثمرات والخيرات ما لم يكن في الحسبان لولا فضل العاطي الموافق المنان.
قوله: (لعلهم يشكرون) أي لعلهم يشكرونك على ما أسبغت عليهم من جزيل النعم.
قوله: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} ذلك تضرع وخشوع من خليل الله إبراهيم وهو يدعو ربه ذاكرا شاكرا، سائلا لولده الهداية والسلام والتوفيق، ولمكة الخير والرخاء والبركة - ويعلن في دعائه هذا أننا يا ربنا ما قصدنا بدعائنا ومسألتنا إلا رضوانك والإخلاص لك في كل ما أردناه وابتغيناه؛ فأنت عليم بسرنا وجهرنا، وليس من شيء خفي أو مخبوء أو مستور في السماوات أو الأرض إلا هو ظاهر بين يديك 49.
قوله تعالى: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) } ذلك إقرار خاشع يهتف به قلب إبراهيم عليه السلام - القلب النقي الزكي النابض بالإيمان والحب لله والخشية منه- وهو أن الله يستجيب الدعاء لعبده المؤمن المخبت الخاشع.
قوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) يعني يا رب اجعلني مؤديا ما كلفتني به من فريضة الصلاة التي فرضتها علي، وكذلك اجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة؛ فقد خص بعض ذريته بالدعاء لهم أن يكونوا مقيمي الصلاة دون بعضهم الآخر؛ لأن الله أعلمه أن من ذريته كفارا.
قوله: (ربنا وتقبل دعاء) أي استجب دعائي - وقال ابن عباس: يريد عبادتي - وهو نظير الخبر أن رسول الله (ص) قال:"الدعاء هو العبادة".
قوله: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) هذا دعاء من خليل الله إبراهيم يتضرع فيه إلى ربه أن يغفر له ولوالديه، وذلك من قبل أن يتبرأ إبراهيم من أبيه لما تبين له أن أباه عدو لله، وكذلك دعا إبراهيم لجميع المؤمنين أن يستر الله ذنوبهم يوم الجزاء؛ إذ يحاسب الناس بأعمالهم 50.