قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب أي وضعتم التكذيب موضع الشكر - وقيل: رزقكم بمعنى شكركم، أي وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون، أي تكذبون بدل الشكر - ويقوي هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" {وتجعلون رزقكم} يقول: شكركم - {أنكم تكذّبون} تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا"18.
قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم 83 وأنتم حينئذ تنظرون 84 ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون 85 فلولا إن كنتم غير مدينين 86 ترجعونها إن كنتم صادقين} .
ذلك ضرب من التعجيز والتحدي لأولئك المشركين المكذبين الذين لم تعطف قلوبهم الموعظة ولم تثنهم الآيات والدلائل عن الضلال والشرك والتلبس بالباطل - فقال سبحانه: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} لولا، للتخضيض - يعني، هلا إذا بلغت الروح الحلقوم حين الاحتضار.
قوله: {وأنتم حينئذ تنظرون} أي وأنتم تنظرون إلى المختضر وهو يكابد الموت وسكراته فلا يملك أحد ممن حوله من الأهل والصحاب أن يساعفه بشيء أو يدفع عنه غمرة من غمرات الموت وشدائده.
85 - (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ)
قوله: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} نحن أقرب بقوتنا وقدرتنا إلى المحتضر الذي يكابد آلام الموت، أو أقرب إليه بملائكتنا، ولكنكم لا ترون ذلك، أو لا تدركونه ولا تعلمونه.
قوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} لولا، للتحضيض - أي هلا، إن كنتم غير محاسبين ولا مقهورين، أو غير موقنين أنكم مبعوثون ومجازون.
87 - (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
قوله: {ترجعونها إن كنتم صادقين} أي تردون هذه الروح التي بلغت الحلقوم لصاحبها المحتضر، إن كنتم صادقين في أباطيلكم 19.
قوله تعالى: {فأما إن كان من المقربين 88 فروح وريحان وجنّت نعيم 89 وأما إن كان من أصحاب اليمين 90 فسلام لك من أصحاب اليمين 91 وأما إن كان من المكذّبين الضالين 92 فنزل من حميم 93 وتصلية جحيم 94 إن هذا لهو حق اليقين 95 فسبح بسم ربك العظيم} .
يبين الله في هذه الآيات أحوال الناس عند احتضارهم، وهي أحوال ثلاثة: حال كل من المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين - وفي ذلك يقول الله سبحانه: {فأما إن كان من المقربين} يعني إن كان المتوفى من المقربين وهم السابقون من الأزواج الثلاثة الذين ذكروا في أول السورة.
قوله: {فروح وريحان} يعني فله روح، أي راحة وفرح ورحمة،
وله كذلك ريحان، أي رزق طيب حسن
{وجنت نعيم} له بعد ذلك جنة يتنعم فيها.
قوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين} يعني إن كان المتوفى من أصحاب اليمين
وهم دون السابقين المقربين مرتبة
بشرته الملائكة بقولها له: {فسلام لك من أصحاب اليمين} .
قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} أي سلام لك فإنك ناج وأنت من أصحاب اليمين - يعني تسلم عليه الملائكة وتبشره بأنه من أصحاب اليمين.