والحكمان وهما يراوضان الزوجين على التداني والتآلف يستطيعان الوقوف على مقصد كل من الزوجين فان كانا راغبين في العودة إلى حظيرة الزوجية كان به ونعمت - وإن كان غير ذلك من التدابر الذي لا رجعة بعده قدم الحكمان تقريرهما في ذلك إلى القاضي أو الوالي - والحكمان في ذلك كله مؤتمنان تماما بحيث يقع حكمهما موقع الإلزام الحاسم الذي يأخذ القاضي بموجبه ليقضي بما قضيا - وعلى ذلك فإن قضى الحكمان بالتفريق كان ذلك بمثابة طلاق بائن وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين من أهل العلم، وذلك استنادا إلى قوله تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وهذا نص من الله تعالى أن الحكمين قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان - وقيل: إن الحكمين ليس لهما إيقاع الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ويطلعا القاضي عليه - وهذا بناء على أن الحكمين رسولان شاهدان، والإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكمين بالتفريق - وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي.
أما إذا اختلف الحكمان فقال أحدهما بما يخالف الآخر بات قولهما غير ذي اعتبار ولا هو بنافذ حتى يتفقا - فلو قضى أحدهما بالتفريق ولم يقض الآخر بذلك لم يؤخذ بقولهما معا - وكذلك لو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليس ذلك بشيء حتى يتفقا 62.
36 - (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا)
قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجانب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) العبودية تعني التذلل والخضوع لله وحده والإخلاص له في القول والفعل - حتى إن العبادة التي يشوبها رياء أو نقص في الإخلاص فإنها غير مقبولة إذ لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لله تماما - قال سبحانه في هذا الصدد: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله (ص) قال:"عن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:"الرياء، يقول الله يوم القيامة، إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"- وبذلك يأمر الله سبحانه عباده أن يخلصوا له العبادة بعبادته وحده من غير شريك ذلك أن الإشراك بالله هو أكبر الكبائر وأعظم العظائم - والله تعالى أشد ما يغضب للإشراك به من قبل العباد كيفما كانت صورة الشرك، وصور الشرك كثيرة وشتى فمنها أن يتخذ الناس مع الله آلهة أخرى كالأوثان والأوطان والملوك، فكل أولئك أصناف من الشركاء التي يتخذ منها الناس آلهة تعبد مع الله أو من دونه - ومنها الرياء وهو إحساس خفي يخالط قلب الإنسان فيحرفه عن الإخلاص لله في القول والعمل ليبتغي بذلك إطراء الناس وثناءهم.