فهرس الكتاب
قوله: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) ذلك قرار رباني ثابت لا يتخلف بعد ما ذكر من أن تقدير المدد من الله للمسلمين كان تطمينا لقلوبهم بما ينسجم مع طبيعة الإنسان المفطور على الضعف - وذلك هو شأن الإنسان ودأبه في رجاء العون والمدد المشهور تثبيتا لقلبه وأعصابه فلا تهون أو تتزعزع.
وبالرغم من ذلك كله فإن الحقيقة الماثلة الكبرى في هذا الصدد، والقيمنة بالاعتبار والوعي والتي ينبغي أن تظل راسخة في الأذهان والقلوب هي أن النصر إنما يكتبه الله لمن يشاء من عباده - فهو سبحانه الناصر القاهر، وهو المعز المذل وهو الذي لا سند عن ملكوته وإحاطته وعلمه شيء - لا جرم أن الله ينصر جنده المؤمنين الأبرار إذا ما اتقوه وأطاعوه ثم توكلوا عليه حق التوكل مع ما يرافق ذلك كله من اتخاذ الأسباب المستطاعة - فإذا ما استتم الحال بالمسلمين على هذا المنوال من التقى والطاعة وتمام التوكل وحسن الإعداد فإنه الله ناصرهم - فهو جل وعلا مصدر النصر وهو الذي يقهر المشركين والمجرمين والظالمين مهما أخذ بهم الاغترار بقوة السلاح وكثرة الحشود من العساكر - وذلك مقتضى قوله س [حانه: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) أي أن النصر إنما يصدر من الله وحده وهو سبحانه العزيز الذي لا يقهر ولا يغالب، وهو الحكيم الذي ينصر ويخذل بمقتضى حكمه وعلمه.
قوله: (ليقطع طرفا من الذين كفروا) المراد بالطرف هنا هو الطائفة من القوم - وقطع الطرف يراد به قتلهم، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم.
قوله: (أو يكبتهم) الكبت في اللغة معناه الإذلال والإهانة والإخزاء والصرف والغيظ، يكتبه أي صرعه على وجهه 212 - والمراد إذلالهم وإغاظتهم بالهزيمة ليرجعوا وهم يكابدون الخيبة وهي الحرمان - خاب خيبة إذا لم ينل ما طلب وذلك بعد طول الأمل والتوقع؛ لذلك قال: (فينقلبوا خائبين) .
قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) روي عن أنس بن مالك في سبب نزول هذه الآية قال: كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أحد ودكي وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول:"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"فأنزل الله الآية.
وروي أيضا عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"اللهم العن فلانا وفلانا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، الله العن صفوان بن أمية"فنزلت هذه الآية (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) فتيب عليهم كلهم 213.
قوله: (أو يتوب عليهم أو يعذبهم) كلا الفعلين يتوب ويعذب منصوب لكون كل واحد معطوفا على (ليقطع) والتقدير: ليقطع طرفا منهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم - وقيل: (أو) هنا بمعنى حتى، فيكون المعنى: حتى يتوب عليهم وحتى يعذبهم - فالفعل منصوب بأن المضمرة بكعد حتى.