وفي قوله: (أموالكم التي جعل الله لكم قياما) ما يشير بوضوح إلى أن المسلمين جميعا مستخلفون في المال وأنهم جميعا مدعوون بالحفاظ على المال وصونه؛ كيلا يتبدد بسبب السفه والسفهاء - والمال وإن كان يملكه صاحبه لكنه مجرد أمانة في ذمة صاحبه يتوجب عليه أن يحافظ عليها فيرعاها وينميها لينتفع بها هو والمسلمون من حوله - وليس لأحد أن يزعم أنه حر في ماله بإطلاق ما دام يملكه - بل إنه حر بالقدر الذي لا يتضرر به المال فيتلاشى ويتبدد - أو أنه حر بقدر متوسط ومناسب بحيث يستطيع القيام بتنمية هذا المال الذي في حوزته فلا يتضرر هو والآخرون من جراء انعدام المال والافتقار - وقوله: (قياما) أي تقوم بها معايشكم وتصلح بها أموركم في دوام من الحال وثبات - وقياما، مصدر بمعنى الثبات والدوام في صلاة الحال 12.
وقوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) - بعد أن يقوم الحجر على السفهاء فلا يتصرفوا في المال بغير هدى أو تبصر سليم وجب ألا يقع عليهم حيف - فإنه على الأوصياء أو الأولياء الذين يتصرفون في أموال السفهاء بالحق أن ينفقوا على هؤلاء السفهاء ليبذلوا لهم كل ما يحتاجون إليه من وجوه الرزق والاكتساء والإيواء فيتمكنوا من العيش بخير وراحة - وكذلك يندب الله الأولياء والأوصياء أن يقولوا للسفهاء قولا معروفا مثل الدعاء لهم بالقول: بارك الله فيكم، أو مخاطبتهم باللين وكريم القول بما فيه ترضية لنفوسهم وتطييب لخواطرهم.
6 - (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)
قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) .
نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه - فقد توفي رفاعة وترك ابنه صغيرا من بعده فأتى عم ثابت إلى النبي (ص) وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت الآية 13.
قوله: (وابتلوا اليتامى) أي امتحنوهم واختبروهم لتعلموا نجابتهم ومعرفتهم بالسعي في مصالحهم وضبط أموالهم، ويكون ذلك عقب بلوغهم النكاح أي البلوغ أو الحلم.
قوله: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) الرشد معناه: الصلاح وإصابة الصواب، وهو خلاف الغي والضلال والمراد به هنا: الصلاح في العقل والدين وحفظ المال 14 أي إن أبصرتم وأحسستم منهم صلاحا في العقل والدين وحفظ المال ولم تخشوا منهم تفريطا في المال وتبديدا فأعطوهم أموالهم التي كانت لهم بحوزتكم وتحت رعايتكم.