قوله: (ثم أرسلنا رسلنا تترا) (تترا) - في موضع نصب على الحال، من الرسل؛ أي أرسلنا رسلنا متواترين - وأصل الكلمة، وترى، من الموترة وهي التتابع بغير مهلة - أو من الوتر، وقد أبدل حرف الواو تاء، فصارت تترى بغير تنوين عند أكثر أهل اللغة وهي غير منصرفة للتأنيث - والمعنى: أرسلنا رسلنا، تتواتر؛ أي يتبع بعضها بعضا - أو بعضها في إثر بعض - أو متواترين؛ أي واحدا بعد واحد، من الوتر 20.
قوله: (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه) كلما جاء أمة من الأمم التي أحدثناها بعد عاد أو ثمود رسولها لإرشادهم وهدايتهم للحق، بادروا تكذيبه وإيذاءه (فاتبعنا بعضهم بعضا) أي بالهلاك، فأهلكناهم بعضهم في إثر بعض (وجعلناهم أحاديث) أي جعلناهم أخبارا يتحدث بها الناس بعد أن أتى عليهم الهلاك والتدمير، فصاروا أثرا بعد عين - وقيل: جعلهم الله أحاديث يتحدث بها الناس على سبيل التلهي والتعجب.
قوله: (فبعدا لقوم لا يؤمنون) أي هلاكا لقوم لا يصدقون بما جاءهم من عند الله - وذلك على وجه الدعاء والذم والتوبيخ 21.
قوله تعالى: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملإيه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) } .
أرسل الله بعد الرسل السابقين المذكورين، موسى وهارون إلى فرعون وملئه وهم أشراف قومه من القبط- أرسلهما إليهم بآياته وهي الأدلة والبينات الواضحات على صدقه وصدق رسالته - وقال ابن عباس: هي الآيات التسع، وهي: العصا واليد والجراد والقمّل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص من الثمرات والسلطان المبين، يعني البرهان الظاهر - وقيل: يراد به هنا العصا - فقد أفردها لأنها أول المعجزات وأعظمها.
فاستكبروا وأعرضوا عنادا وجحودا (وكانوا قوما عالين) أي علوا على رسول الله،
معاندة واستكبارا عما جاءهم به من الحق،
قاهرين لعباد الله ظلما.
قالوا: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} الاستفهام للإنكار؛ إذ قال فرعون وملؤها من سادة المجرمين الظالمين: كيف نصدق من هم مثلنا في البشرية وقد كان قومهما من
بني إسرائيل خاضعين لنا مستذلين منقادين لأمرنا؟.
قوله: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} كذبوا موسى و هارون فيما جاءا به من عند الله،
وأعرضوا عنهما جاحدين مستكبرين فأهلكهم الله بالغرق
إذ غشيهم من فظاعة التغريق ما غشيهم.
قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون} الضمير في قوله (لعلهم) ، يعود إلى بني إسرائيل وليس إلى فرعون وملئه؛ لأن هؤلاء قد هلكوا بالغرق، فقد أرسل الله موسى هاديا ومعلما إلى بني إسرائيل،
وأنزل عليه التوراة لكي يعملوا بما فيها فيهتدوا ويرشدوا.