فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 2536

القول الثاني: إن"هنا"للتبعيض - وبذلك فإن المراد بالأمة في الآية جماعة من أمة المسلمين وهم العلماء، فالتكليف مختص بهم، فيكون التقدير: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذه الوجيبة العظيمة، وهي وجيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهؤلاء هم جماعة العلماء؛ لما يتجلى فيهم من مزية القدرة على فهم المعاني الدينية ووعيها - ومزية التبليغ للناس بما يثير فيهم الحماسة الدينية ويدعوهم إلى سبيل الرشاد، ولا يتسنى مثل هذه الوجيبة لغير الفئة الواعية العالمة من الأمة - الفئة التي أوتيت حظا من المعرفة بكتاب الله الحكيم - وعلى هذا فالواجب هنا على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين - وذلك شديد بالقول السابق الثاني.

القول الثالث: المراد من هذه الآية هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه الصلاة والسلام ويعلمون الناس.

والصواب في تقديري كما قاله ابن كثير في هذا الصدد: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه - جاء في الخبر مما رواه أحمد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده لم لتدعنه فلا يستجيب لكم"192.

قوله: (يدعون إلى الخير) يراد بالخير الإسلام وشرائعه، بكل ما في هذه العبارة من عظيم المعاني - فالدعوة إلى الخير تتناول كل جوانب هذا الدين الشاسع الرحيب بما فيه من إثبات لذات الله وصفاته وتقديسه جل جلاله عما لا يليق بكماله - إلى غير ذلك من أصول وقواعد وأحكام ودروس ومواعظ مما حواه هذا الدين المتين.

وقوله: (ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) عطف بالأمر المعروف والنهي عن المنكر على الدعوة إلى الخير - وذلك عطف للخاص على العام إيذانا بفضلهما وعظيم أهميتهما - ولا غرو فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل المسلمين جميعا لنشر الحق والفضيلة، وتبديد الباطل والرذيلة، بل إنهما سبيل لنشر الإسلام وعقيدة التوحيد بين الناس وفي الآفاق، ولإذهاب كل ظواهر الفسق والفساد والباطل من بين العباد، لا جرم أن البشرية برمتها مستديمة الحاجة اللحاحة لما يقرع آذانها من دعوات الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر - فالإنسان بطبيعته خلق ضعيفا، وهو بذلك يخالطه الضعف في اصطباره واقتداره واحتماله للواجبات ليجنح في الغالب للزلل والنسيان والتقصير - ويعبر النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك خير تعبير؛ إذ يقول:"كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون"193.

من أجل ذلك لا يستغني الإنسان عن تذكيره ومعاودة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

قوله: (وأولئك هم المفلحون) الفلاح معناه الفوز والنجاة والبقاء 194 - واسم الإشارة يعود على الداعين إلى الخير، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، فإن أولئك جميعا الناجون من كل ما يمس الناس من مكروه، والفائزون بالنعيم المقيم لا ينقطع.

قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) يحذر الله عباده المؤمنين في هذا البيان البليغ تحذيرا شديدا أن يكونوا كالذين خلوا من قبلكم وهم أهل الكتاب؛ إذ تفرقوا واختلفوا - ومعناهما واحد وذكرهما للتأكيد - وقيل: بل معناهما مختلف: فقد تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين - وقيل غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت