فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 2536

وذلك يكشف عن حقيقة ساطعة ظاهرة وهي أن شريعة الإسلام أكمل الشرائع كافة؛ فهي الشريعة المثلى التي تناسب البشر على اختلاف طبائعهم وتفاوت أهوائهم وفِطَرِهم - لا جرم أن هذه سمة هامة من سمات الصلوح في الإسلام؛ أي صلوحه للإنسانية في كل زمان ومكان - وقد بينا فيما مضى أن الشرائع والملل السابقة كانت تتأرجح بين الإفراط والتفريط، أو بين المغالاة والتنطُّع بعيدا عن ظاهرة الوسط الذي تصلح عليه البشرية على الدوام - فتلكم شرائع بني إسرائيل لا تُقرُّ العفو عن الجاني بل توجب القصاص دون غيره، خلافا لأناجيل النصارى الأربعة فإنها توجب العفو وحده وتأبى لمقلديها أن يقتصوا من الظالمين المعتدين - وكِلا السبيلين مخالف للسداد والاعتدال؛ فإن التشريع السديد هو الذي يأخذ في الاعتبار طبائع الناس جميعا - وهي طبائع كثيرة ومختلفة ومتفاوتة - فمن الناس من يجنح للاقتصاص والانتقام وإشفاء الغليل عقب الاعتداء عليه - وذلك حق - ومنهم من يجنح للصفح والإحسان مترفعا عن شهوة الانتقام، فله ذلك وهو عند الله خير وأفضل.

قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المعتدين المبتدئين بالسيئة - فإنه ليس المبتدئ بالظلم والعدوان بمحمود.

قوله: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} {ظُلمه} مصدر مضاف إلى المفعول

أي بعد أن ظلمه الظالم له، أو بعد أن ظَلَمَه ظالمه

-واللام لام الابتداء - ومن شرطية، وجواب الشرط

{فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} أي ليس عليهم من مؤاخذة أو جُناح في الانتصار ممن ظلمهم.

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} إنما المؤاخذة والجناح والبأس على الذين يبتدئون الاعتداء على الناس فأولئك هم المؤاخذون الخاطئون المتلبسون بإثم العدوان على الآخرين وظلمهم، وليس على الذين انتصروا ممن ظلمهم فأخذوا منهم حقهم.

قوله: {وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي يتجاوزون في أرض الله الحد الذي أباحه الله لهم فيفسدون ويؤذون ويعيثون في البلاد خرابا {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هؤلاء الذين يظلمون الناس ويعيثون في البلاد فسادا وظلما ويشيعون فيها الشرك والمعاصي، لهم من الله يوم القيامة شديد العذاب وهي جهنم.

قوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} اللام، لام الابتداء - ومن، شرطية وقيل: اسم موصول - يبين الله في ذلك فضل الصبر على الإساءة والأذية عند الاقتدار على الانتقام - والمعنى: أن من صبر على إساءة المسيء إليه فغفر له جُرمه ولم يأخذ لنفسه منه وهو قادر على الانتصار منه، مبتغيا بذلك وجه الله وجزيل ثوابه {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يعني ذلك الصبر على الإساءة والعفو عن المسيء لمن عزم الأمور الجيدة أو من عزائم الله التي أمر بها - أو من الأمور التي ندب الله إليها عباده وعزم عليهم العمل بها - 38

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت