وذلك يكشف عن حقيقة ساطعة ظاهرة وهي أن شريعة الإسلام أكمل الشرائع كافة؛ فهي الشريعة المثلى التي تناسب البشر على اختلاف طبائعهم وتفاوت أهوائهم وفِطَرِهم - لا جرم أن هذه سمة هامة من سمات الصلوح في الإسلام؛ أي صلوحه للإنسانية في كل زمان ومكان - وقد بينا فيما مضى أن الشرائع والملل السابقة كانت تتأرجح بين الإفراط والتفريط، أو بين المغالاة والتنطُّع بعيدا عن ظاهرة الوسط الذي تصلح عليه البشرية على الدوام - فتلكم شرائع بني إسرائيل لا تُقرُّ العفو عن الجاني بل توجب القصاص دون غيره، خلافا لأناجيل النصارى الأربعة فإنها توجب العفو وحده وتأبى لمقلديها أن يقتصوا من الظالمين المعتدين - وكِلا السبيلين مخالف للسداد والاعتدال؛ فإن التشريع السديد هو الذي يأخذ في الاعتبار طبائع الناس جميعا - وهي طبائع كثيرة ومختلفة ومتفاوتة - فمن الناس من يجنح للاقتصاص والانتقام وإشفاء الغليل عقب الاعتداء عليه - وذلك حق - ومنهم من يجنح للصفح والإحسان مترفعا عن شهوة الانتقام، فله ذلك وهو عند الله خير وأفضل.
قوله: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المعتدين المبتدئين بالسيئة - فإنه ليس المبتدئ بالظلم والعدوان بمحمود.
قوله: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} {ظُلمه} مصدر مضاف إلى المفعول
أي بعد أن ظلمه الظالم له، أو بعد أن ظَلَمَه ظالمه
-واللام لام الابتداء - ومن شرطية، وجواب الشرط
{فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} أي ليس عليهم من مؤاخذة أو جُناح في الانتصار ممن ظلمهم.
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} إنما المؤاخذة والجناح والبأس على الذين يبتدئون الاعتداء على الناس فأولئك هم المؤاخذون الخاطئون المتلبسون بإثم العدوان على الآخرين وظلمهم، وليس على الذين انتصروا ممن ظلمهم فأخذوا منهم حقهم.
قوله: {وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي يتجاوزون في أرض الله الحد الذي أباحه الله لهم فيفسدون ويؤذون ويعيثون في البلاد خرابا {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هؤلاء الذين يظلمون الناس ويعيثون في البلاد فسادا وظلما ويشيعون فيها الشرك والمعاصي، لهم من الله يوم القيامة شديد العذاب وهي جهنم.
قوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} اللام، لام الابتداء - ومن، شرطية وقيل: اسم موصول - يبين الله في ذلك فضل الصبر على الإساءة والأذية عند الاقتدار على الانتقام - والمعنى: أن من صبر على إساءة المسيء إليه فغفر له جُرمه ولم يأخذ لنفسه منه وهو قادر على الانتصار منه، مبتغيا بذلك وجه الله وجزيل ثوابه {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يعني ذلك الصبر على الإساءة والعفو عن المسيء لمن عزم الأمور الجيدة أو من عزائم الله التي أمر بها - أو من الأمور التي ندب الله إليها عباده وعزم عليهم العمل بها - 38