فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 2536

سورة آل عمران:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مدنية من غير خلاف، وفي فضلها وعظيم قدرها مع سورة البقرة يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:"تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان 1 يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان"2.

وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمشاهد والمواقف والأحكام مما نعرض له بمشيئته الله وعونه وكلاءته في هذا التفسير.

ويأتي في طليعة ذلك كله الحديث عن حروف التهجي، وهي الألف واللام والميم - وهذه واحدة من فواتح السور المبدوءة بها سورتنا هذه.

ومن مضامين هذه السورة أيضا إطراؤها للكتب السماوية الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والفرقان - وأن هذه الكتب قد جيء بها لبني البشر من أجل هدايتهم وترشيدهم، وكيما يمضوا في هذه الحياة آمنين سالمين أخيار وقد أظلتهم أفياء الخير والمودة والعيش المطمئن الراغد.

وفي السورة بيان بأن هذا الكتاب الحكيم شطران، أحدهما: آيات محكمات أي واضحات مستبينات - وهذا الشطر الأعظم من كتاب الله لا جرم أنه المتسع الأكبر لكل قضايا الدين والدنيا، وأنه المعين الفياض الذي تستمد منه البشرية على مر الزمن كل معاني الخير والهداية، وعامة قضايا الحكمة والمعرفة والتشريع.

ثانيهما: آيات متشابهات - أي غير واضحات من حيث معناها أو المراد منها، بل هن محتملات مجملات لا يظهر مقصودها إلا بالنظر والتمحيص البالغين، وإنما يناط ذلك بنخبة من أولي العلم والنظر ليبذلوا قصارى تفكيرهم واجتهادهم عسى أن يقفوا على المراد من مثل هذه الآيات المتشابهات.

وفي هذا الصدد يحذر الله سبحانه من فريق متحذلق يصطنع العلم والمعرفة اصطناعا - أولئك الذين يخوضون في كلام الله بغير حق ولا بصيرة، والذين تلوك ألسنتهم مقالات التحريف والفتنة متذرعين بالظواهر لمثل هذه الآيات المتشابهان بقصد أو بغير قصد - وفي ذلك من الفتنة والتضليل وتشويش الأذهان ما لا يخفى.

وتذكر السورة بما جبل عليه الإنسان من ميل للشهوات الحقيقية، الشهوات الأساسية المركوزة التي غالبا ما تأسر أعصاب الإنسان وعقله أسرا، وهو بدوره يجنح خلفها جنوحا إلا أن يكون له زاد ضخم ورصين من اعتصام كإرادة صلبة مكينة، أو عقيدة راسخة متينة تمسك بزمام الإنسان كله لتسلك به مسالك الخير والنجاة، فلا يضل أو يزل أو يتردى.

وفي طليعة هذه الشهوات حب النساء - لا جرم أن ذلك حب راسخ ومفطور، بل إن إحساس بالغ ومستكن لا مندوحة للإنسان عن مراعاته تمام المراعاة، ولكن في غاية من الاهتمام والاتزان ومن غير تسيب في ذلك ولا فوضى، وكلمة الإسلام في ذلك لهي خيرا ما عرفته البشرية في هذا الصدد - وهو ما نعرض له في حينه لدى الكلام عن تفسيره هذه الآية.

وكذلك حب البنين - وهم الأولاد والأحفاد، فلذات الأكباد - وهو بعض آبائهم وأمهاتهم؛ بل غنهم جزء من كيانهم العضوي والعقلي والروحي، فلا يبرح المرء- ذكرا أو أنثى- حتى تراوده موجة الحب والحنين لولده، فضلا عن استئثار البنين بالاعتبار الظاهر لدى العرب، وهم يجدون في أبنائهم وسيلة للتعضيد والظهور في زحمة الواقع.

وكذلك حب المال - فإنه يستأثر بالنسبة الكبرى لحب البشرية وولعها بالدنيا ولذائذها وزخارفها - لا جرم أن حب المال قد استحوذ على قلب الإنسان وعلى طبعه وأعصابه، فبات بذلك رهين هذه الشهوة الراسخة اللحاحة، بل إن الإنسان على اختلاف أجناسه وتصوراته ومعتقده لا يبرح قلبه حب المال والرغبة المستديمة في الاستزادة من أكداسه الطائلة المركومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت