فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 2536

قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) كان ذلك جوابا عن سؤال طرحه بعض المسلمين عن مصير الذين صلوا نحو بيت المقدس ثم ماتوا من قبل أن تحول القبلة نحو مكة، فهل هم مأجورون على استقبالهم الأول؟ فقد أخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس أن قوما كانوا يصلون نحو بيت المقدس ثم ماتوا، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية - وبذلك فإن الله لا يضيع أجر هؤلاء العاملين الذين استقبلوا بيت المقدس في صلاتهم طيلة مقامهم في المدينة من قبل أن تحول القبلة إلى البيت الحرام 134 - أما قوله: (إيمانكم) أي بالقبلة الأولى التي كنتم عليها وذلك بناء على اتباعكم أمر نبيكم إذ توجه صوب بيت المقدس فأطعمتموه وتوجهتم معه دون مُشاقة أو خلاف - ولا شك أن ذلك كله منوط بإيمانكم بالله ورسوله وأنكم تتصرفون وتنشطون تبعا لما تفرضه العقيدة.

قوله: (إن الله بالناس لرءوف رحيم) ذلك تعقيب على ما سبق من حكم، وهو تعقيب ينسجم تماما مع ما سبقه من معنى، وبذلك يأتي الحكم السابق والتعقيب اللاحق في الآية مؤتلفين تمام الائتلاف ومتسقين غاية الاتساق - فالله جلت قدرته لا يظلم الناس شيئا ولا يحرم أحدا من حقه مثقال ذرة، حتى إن كانت هذه حسنة، فإنه يضاعفها أضعافا كثيرة - وهو سبحانه لن يتر العالمين المتقين الذين صلوا نحو القدس أجورهم فهو سبحانه (بالناس لرءوف رحيم) الرؤوف من الرأفة وهي أشد من الرحمة - فالله تباركت أسماؤه من حيث رحمته بالمخاليق ليس كمثله أحد ورحمته بالعباد بالغة مطلقة لا تعرف الحدود.

وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله (ص) رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين لولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها - فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها - فقال رسول الله (ص) :"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ألا تطرحه"؟ قالوا: لا يا رسول الله - قال:"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها"135

144 - (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)

قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذي أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون) .

جاء في سبب هذه الآية ما ذكر عن ابن عباس قوله: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله (ص) لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله (ص) بضعة عشر شهرا وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء) إلى قوله: (فولوا وجوهكم شطره) .

وذكر عن البراء أن النبي (ص) قبل بيت المقدس سنة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بلله لقد صليت مع رسول الله (ص) قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت