قوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} جعل الله في قلوب الذين آمنوا به واتبعوا ما جاءهم به وهم الحواريون، رأفة وهي أشد الرحمة، أو الرفق واللين - والرحمة، الشفقة {ورهبانية ابتدعوها} رهبانية، منصوب بفعل مقدر - وتقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها 14 أي أحدثوها من قبل أنفسهم {ما كتبناها عليهم} أي ما افترضنا عليهم تلك الرهبانية {إلا ابتغاء رضوان الله} أي لكنهم أحدثوها من عند أنفسهم طلبا لمرضاة الله فالاستثناء منقطع - والرهبانية والترهب بمعنى التعبد - ومن مظاهرها الاختصاء واعتناق السلاسل ولبس المسوح وترك اللحم ونحو ذلك من وجوه التقشف وحرمان النفس 15.
قوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي ما قاموا بها حق القيام - أو لم يرعوا الرهبانية التي ابتدعوها حق الرعاية - ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى فتنصروا وتهودوا ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا وتركوا الترهب.
قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} أي أعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ورعوها، ثوابهم لصدق إيمانهم وابتغائهم رضوان الله - قوله: {وكثير منهم فاسقون} كثير منهم خارجون عن دين الله الحق وعن طاعته سبحانه 16.
قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم 28 لئلاّ يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ومن فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} .
يخاطب الله الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، يدعوهم للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليجزيهم الله بذلك مثلين من الجزاء وهو قوله سبحانه: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} فالآية محمولة على مؤمني أهل الكتاب، إذ يدعوهم ربهم أن يؤمنوا بمحمد ليؤتيهم أجرهم مرتين وهو قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} أي مثلين من الأجر على إيمانكم بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام - والكفل، معناه الحظ والنصيب - وقيل: لما نزل قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
قوله: {ويجعل لكم نورا تمشون به} والمراد بالنور، القرآن، فإنه المشعل الذي يستضيئون به فلا يتعثرون ولا يضلون أو يتيهون - أو المراد به الإسلام، إذ يدعون الناس إليه فيكونون رؤساء في هذا الدين الحنيف ولا تزول عنهم رئاسة كانوا فيها - وذلك أنهم كانوا يخشون أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قوله: {ويغفر لكم والله غفور رحيم} الله جل جلاله يصفح عنكم ويستر عليكم ذنوبكم وهو سبحانه موصوف بالرحمة والمغفرة للمسيئين المذنبين.
قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} لا، في قوله {لئلا} زيادة وهي للتأكيد - يعني ليعلم أهل الكتاب - وكانوا قد حسدوا المسلمين - أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي خص به أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذ جعل لهم من التكريم والتعظيم ما ليس لهم.