وقوله: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) كان ذلك من أسباب إهلاكهم وتدميرهم بالصاعقة وغيرها - وقد أورد كفرهم هنا مكررا ليؤكد على مواقفهم الكافرة والمفرطة في الفسق والتأثيم - وكذلك افتراؤهم على مريم بالبهتان فقد رموها بالزنا، وهي المرأة الفاضلة العابدة البتول، خير نساء الدنيا كما ذهب بعض أهل العلم ويعزز ذلك قوله تعالى: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) ويا له من بهتان ظالم آثم تقترفه يهود وهم تتدنس أفواههم وألسنتهم بأبشع اختلاق مفترى؛ إذ يتطاولون على الطاهرة العذراء خير نساء الدنيا بقاذورة الزنا، وحاشا لامرأة طاهرة قانتة كمريم أن تجنح للفاحشة - وكلمة مريم سريانية معناها مرتفعة، وقيل: الخادمة لبيت الله، والبهتان أو البهت معناه الكذب المفترى الذي يبعث على الدهشة والحيرة - فقد أفطرت يهود في الافتراء على مريم؛ إذ رموها بالفاحشة زورا وبهتانا وذلك سلوك ذميم ظالم يستوجب من الله العقاب والمقت - وبهتانا منصوب، صفة لمصدر محذوف أي قولا بهتانا - وقيل: مفعول به لقولهم.
157 - (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)
ومن أباطيلهم وجرائمهم كذلك ما قالوه من زعم كاذب: بأنهم قتلوا المسيح وفي هذا يقول سبحانه: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) سمي المسيح بذلك لما كان يمسح به من الدهن - وقيل سمي بذلك لسياحته في الآفاق داعيا إلى الله، وقيل غير ذلك، وعيسى بدل من المسيح وهي كلمة عبرانية - ابن بدل من عيسى ومريم مضاف إليه - ورسول منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره أعني وقيل على البدلية.
وهذه واحدة أخرى من مفتريات يهود؛ إذ كذبوا على الله والناس حين زعموا أنهم قتلوا المسيح - وقوله: (رسول الله) يوحي بما قصده اليهود من التهكم، فهم أصلا لا يصدقون رسالته ونبوته، ولكنهم ينسبون إليه الرسالة ساخرين متهكمين يضاف إلى ذلك جانب الغمز الذي ينوون به نفي النبوة عن سيدنا عيسى عليه السلام فكأنهم يقولون: لقد قتلنا هذا الرسول، ولو كان رسولا حقا لدافع عنه ربه ولما أمكننا قتله.
والقول الفاصل الحق الذي لا ريب فيه أن المسيح لم يقتل ولم يصلب، بل إن الله قد رفعه إليه رفعا - وما القتل المزعوم إلا حدثا موهوما قد شبه لليهود والنصارى معا فانطلقوا يهذون في تخريص واهم بقتل المسيح وصلبه.
وحقيقة المسألة تأتي في غاية السهولة والبساطة لو صاخ الناس لكلمة الوحي الفاصلة التي تقضي في الأمر في صدق ويقين قطعيين، أن حقيقة المسألة سهلة وبسيطة لا تحتمل شيئا من مثل هذا الصخب المصطنع وهذه الضجة العارمة المفتعلة وما صاحب ذلك كله من خلاف عميق أثار في الأرض رياح النزاع والتخاصم بين المجتمعات والطوائف على مر الزمن.