والمقصود أن الحبة الميتة اليابسة بعد أن توارى الثرى وتمس الرطوبة تتشقق - ومن شقها يخرج النبات والزرع وهو محمول على سوقه وتعلوه السنابل المحفلة بالحبوب على أصناف شتى - وكذلك النواة اليابسة الميتة تتشقق فيبرغ منها الشجر بوقه الأخضر الوارف، وظله الرخي الظليل، وثمره اليانع المستطاب - لا جرم أن ذلك يدل على قدرة الإله الصانع المربوب - وهو يشير كذلك إلى قدرة الله المطلقة في الإحياء - فقال سبحانه: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} في تأويل إخراج الحي من الميت والميت من الحي، نختار حمل اللفظين (الحي والميت) على الوجه المجازي - فنقول إخراج الحي من الميت معناه إخراج النبات الغض الطري الأخضر من الحب اليابس - وإخراج اليابس من النبات الحي النامي، أو هو إخراج السنبل الحي من الميت، وإخراج الحب الميت من السنبل الحي والشجر الحي من النوى الميت، والنوى من الشجر الحي - والشجر ما دام قائما على أصوله لم يجف والنبات على ساقه لم ييبس فإن العرب تسميه حيا فإذا يبس وجف أو قطع من أصله سموه ميتا.
وقال ابن عباس في تأويل ذلك: إن الله يخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن، كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس 110.
وقيل: يخرج العالم من الجاهل وبالعكس - وذلك أن العلم حياة ونور - وهو ضياء يستنير به الإنسان في حياته فيمضي مهتديا غير متعثر - أما الجهل فإنه الضلال والاضطراب والأرجحة بما يفضي بالضرورة إلى التعثر والزلل والهلاك، وما الجاهلون إلا اشباها لأناسي يمرون بلا حساب أو أشباحا تائهة تروح وتجيء من غير وعي ولا تدبر ولا بصيرة - وكأنما هم صور بلهاء لموتى لا ينبسن ولا يريمون 111.
أما قوله: {يخرج الحي} ثم قوله بعدها: {ومخرج الميت} فقد عطف الاسم على الفعل، فسببه أن قوله: {ومخرج الميت من الحي} معطوف على قوله: {فالق الحب والنوى} فقد عطف الاسم على الاسم - أما قوله: {يخرج الحي من الميت} فهو كالبيان والتفسير لقوله: {فالق الحب والنوى} وهو قول الزمخشري والرازي.
قوله: {ذلكم الله} مبتدأ وخبره - أي صانع كل هذه الأعاجيب وبارئ كل هذه الخلائق على اختلاف أنواعها وكثرة عجائبها هو الله وحده الواجب الوجود المستحق للعبادة.
قوله: {فأنى تؤفكون} تؤفكون من الأفك بفتح الهمز مصدر أفك بالفتح - أي قلب وصرف عن الشيء والمؤتفكات المدن التي قلبها الله تعالى على قوم لوط.
وقوله: {أجئتنا لتأفكنا} أي لتصرفنا 112 والمعنى: فكيف تصرفون عن عبادة الله وحده وقد علمتم وعاينتم الشواهد على قدرته البالغة وأنه الصانع لكل شيء؟!
قوله: {فالق الإصباح} فالق من الفلق بسكون اللام وهو الشق - والإصباح مصدر أصبح إصباحا - وفالق الإصباح معناه - شاق الصبح عن ظلمة الليل وسواده - أو شاق الضياء عن الظلام 113.
قوله: {وجعل اليل سكنا} الليل، مفعول أول لجعل - وسكنا، مفعول ثان - وسكنا من السكينة - وهي الطمأنينة والرزانة والوقار أو من السكون وهو الهدوء والاستقرار - والله جعل الليل سكنا، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار فيهدأ فيه ويستقر في مسكنه ومأواه 114 فتأويل الآية أن جعل الليل ليسكن فيه الناس - إذ يطمئون أو يهجعون - أو يستأنسون ويستروحون لتسترخي أبدانهم وأعصابهم في هجعة الكرى طلبا للداعة والراحة والنوم.