قوله: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) أي تعطى كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر عطاء وافيا غير منقوص - وهذه الآية تعم كل الكاسبين من خير أو شر - وهي تتضمن بمفهومها الغال على الأولى؛ لأن سياق الكلام هنا في الغلول - فما من غلول في المغنم وسائر وجوه الكسب الباطل والحرام إلا سيجزى مقارفة الغال ما يستحقه من الجزاء يوم القيامة - وحينئذ يجازي الله كل نفس بما كسبت من غير أن يحيق بأحد في ذلك ظلم.
قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون) .
الهمزة في قوله: (أفمن) للاستفهام الإنكاري - والفاء للعطف على محذوف - فيكون تقدير الكلام: أمن اتقى فاتبع رضوان الله.
ومعنى الآية أن من اتبع رضوان الله بالامتثال لأوامره واجتناب زواجره، ليس كمن رجع بسخط من الله بسبب ما قارفه من المعاصي والآثام.
واتباع رضوان الله من مقتضياته فعل الطاعات والصبر على الجهاد وترك الغلول وهو الخيانة في المغنم وغيره من وجوه السحت وأكل الحرام.
أما الرجوع بسخط من الله فمن مقتضياته السقوط في العصيان بكل صوره وأشكاله، ومنه التولي عند الزحف وتخذيل المسلمين وإشاعة الأراجيف بينهم لينكفئوا عن الجهاد وملاقاة العدو - والسخط بفتحتين أو بالفتح والسكون، ضد الرضا، نقول سخط أي غضب، فهو ساخط - أسخطه أغضبه.
والذي يستوجب سخط الله إذا لم يتب فلسوف يكون مأواه جهنم والمرجع البئيس - وهو تأويل قوله: (ومأواه جهنم وبئس المصير) .
وقوله (هم درجات عند الله) أي هم ذوو درجات، أو على درجات أو لهم درجات عند الله - والمقصود أن من اتبع رضوان الله ليس كمن باء بسخط منه، وهم مختلفو المنازل عند الله فمن اتبع رضوان الله الكرامة وحسن الجزاء، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب - فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، وكذلك المؤمنون أنفسهم يختلفون فيما بينهم من حيث الدرجات - فبعضهم أعلى درجة من بعض - وكذا الكافرون، فبعضهم أحط درجة من بعض - والدرجة تعني المرتبة والطبقة - والجمع: الدرجات.
والأصل في هذا التأويل أن الضمير (هم) عائد إلى الكل وهو المتبعون رضوان الله والذين باؤوا بسخط منه - فدرجات أهل الثواب متفاوتة - ودرجات أهل العقاب متفاوتة أيضا تبعا لتفاوت أعمال الناس.
وقيل: الضمير (هم) عائد إلى قوله: (أفمن ابتع رضوان الله) فيكون تقدير الكلام: أفمن اتبع رضوان الله سواء؟ إنهم ليسوا سواء، بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم فهي متفاوتة - واحتجوا لذلك بأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، واستعمال الدركات في أهل العقاب 267.
قوله: (والله بصير بما يعملون) أي لا يخفى على الله شيء مما يعمله المتبعون لرضوان الله أو المستوجبون لسخطه - لا جرم أن الله عليم بما يصدر عن الفريقين من قول أو عمل.
قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .