فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 2536

قوله: (إن قتلهم كان خطأ كبيرا) أي إثما كبيرا - نقول: خطأ يخطأ بالكسر - مثل: أثم يأثم إثما فالخِطء بالكسر مصدر ومعناه الذنب - والاسم الخطيئة - والجمع: الخطايا - والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي - أما أخطأ يخطئ خطأك إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد - والاسم الخطأ بالفتح 43.

وجملة ذلك: التنديد البالغ بقتل الأولاد خشية الفقر بسبب الإنفاق عليهن - ولا يجترئ على هذا المنكر الفظيع إلا ظلوم أثيم؛ فإن قراءة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية؛ فهي بذلك من أعظم البواعث للمحبة والشفقة - فمن ذا الخاطئ الكنود الذي يفعل مثل هذه الفعلة النكراء إلا من أفرغ قلبه من كل معالم الرحمة والشفقة - وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أي ذنب أعظم؟ قال:"أن تجعل لله ندا وهو خلقك"قلت:"ثم أي؟ قال:"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"قلت: ثم أي؟ قال:"أن تزني بحليلة جارك"."

قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} الزنا، ذميمة مستقذرة ومشينة؛ بل هو قاذورة من القاذورات التي تتدنس بها أشخاص الزناة والزواني.

ولقد شدد الإسلام النكير على الزنا؛ لأنه خلق الفاسدين والآسنين من الناس الذين يرتعون في مستنقع الفحش والقذر - والذين لا يستمرئون النكاح الطاهر المشروع بل يروق لهم الغوص في وحل الرذيلة ودهاليز الخنا لينتكسوا بذلك إلى حظيرة البهائم العجماوات التي لا يحكمها عرف ولا نظام - على أن الزنا رذيلة بالغة الفحش لأنه سبب لخلط المياه وتزييف النسل والأنساب؛ فهو بذلك سبيل يفضي إلى الفحش والخيانة في الذرية والأولاد - وذلك هو ديدن الحضارة المادية في هذا الزمان، الحضارة التي تسخر من القيم والفضائل وتستند في أساسها إلى الشهوات والأهواء والغرائز، أو ما تميل إليه النفوس من حق أو باطل، فما تعبأ الحضارة المادية في هذا الزمان بغير مقتضيات الغريزة، بغض النظر عن مبادئ الدين أو ظواهر الخلق والفضيلة - ولعل ظاهرة الزنا الفاحش المستشري، أكثر شيوعا في المجتمعات المادية الجاحدة التي سوّل لها شياطين الإنس فعل المنكرات والمعاصي التي اتفقت على تحريمها الأديان السماوية ومن أظهرها الزنا - لقد سولت الشياطين البشرية أن ذلك معقول ولا ضير في فعله أو الإغراق فيه ما لم يكن غصبا - هكذا سوّل المضلون الأشقياء من أمثال فرويد ودارون ودوركايم وأتباعه ومريديهم من الضالين والمخدوعين في كل مكان؛ لقد سولوا للبشرية المخدوعة المضللة أن الزنا ممارسة جنسية لا غبار عليها وهو كغيره من المطالب الفطرية التي يستوي فيها الأحياء من بشر وبهائم؛ فليس من عيب أو بأس أو مخالفة في فعله - فاستجابت البشرية المضللة لمثل هذه الأصوات الشيطانية حتى غاصت في وحل القاذورات وانتكست إلى حمأة الدنس انتكاس السادرين التائهين الحيارى.

لكن الإسلام الذي يقيم الحياة على لاطهر والصفاء والنظافة؛ ويبني مجتمعه على الصراحة والاستقامة والوضوح، بعيدا عن فوضى البهائم الصًّم، وعن مفاسد العهر الفاضح- قد حرم الزنا أشد تحريم بقدر تحضيضه وتحريضه على النكاح الطاهر المبارك - النكاح المبرأ السليم، القائم على المودة المستديمة والانسجام المترابط الوثيق - فقال سبحانه: (ولا تقربوا الزنى) نهى عن مجرد القرب من الزنا - وهو يدل على تحريم كل أسباب الزان ودواعيه وبواعثه التي تفضي إليه كالتقبيل والخلوة والنظرات المكرورة المريبة، والاختلاط الفاجر المغالي؛ لما في ذلك من مدعاة يخشى معها الوقوع في الفاحشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت