وكذلك الظلمات؛ فإنها صورة عن الكفر والضلال والباطل - فالساربُ في ذلك سادر في التيه والعمى - بخلاف النور فإنه يراد به الحق واليقين، وإنما يتجلى ذلك في دين الله المستقيم ومنهجه الحق لهداية الناس والعالمين وهما كلاهما متفرقان مختلفان لا يستويان.
وكذلك الظل وهو معروف - وهو غير الفيء الذي لا يكون إلا بعد الزوال، فلا يقال لما قبل الزوال فيء، لكن الظل ما يكون بالغُدوّ والعشي، وقيل: من الطلوع إلى الزوال 26 - أما الحَرور، بالفتح، فهو الريح الحارة وهي كالسموم - ولا يكون الحرور إلا مع شمس النهار، فهو كائن بالنهار خاصة - وقيل: يكون الحرور بالليل والنهار 27 - وهذان صنفان من الزمان والطبيعة لا يستويان، بل إنهما مختلفان، وهما في اختلافهما وتباينهما مثلان للحق والباطل - فإن الحق يفضي إلى الجنة حيث النعيم المقيم - بخلاف الباطل؛ فإنه يصير بأهله إلى الرذيلة والضلال والفحش في الدنيا - ويوم القيامة يردون إلى النار.
قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ} الأحياء مثلٌ للمؤمنين فقد أحيا الله بصائرهم بنور الإيمان، وأرشدهم إلى ما فيه الهداية والسداد، وألهمهم الخير والرشد والصواب - وأما الأموات فهم مثل للكافرين الخاسرين؛ فإن قلوبهم كزَّة وغُلْف لا يفضي إليها الإيمان بما خُتم عليها - وهذان الصنفان من الأناسي لا يستويان - بل إنهما مختلفان اختلافا ظاهرا وكبيرا.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} الله يُسمع آياته وحججه وعباده الطيبين الذين علم أنهم مؤمنون، فيهديهم لطاعته - قال الزمخشري في تأويل هذه الآية: يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه - فيهدي الذي قد علم أن الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه.
قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} الكافرون الخاسرون بمنزلة الموتى من أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه من الآيات و العظات - فهم خامدو هامدون رِمَم وكذلك الكفرة الجاحدون؛ فإن قلوبهم قد طبع عليها؛ فهي لا تعي ولا تستجيب ولا تريم 28.
قوله: {إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ} أي ليس عليك هداهم وإنما يناط
بك وجيبة التبليغ فما أنت إلا مُبلّغ
والله وحده الهادي إلى سواء السبيل.
قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أرسل الله رسوله محمدا بالحق وهو الإيمان بالله واتباع منهاجه الذي افترضه على عباده - فذلكم حق جيء به من عند الله - والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو الناس إلى الإسلام يبشر المؤمنين المهتدين بالنجاة والفوز برحمة الله ورضوانه والجنة - وكذلك فإنه ينذر الظالمين المكذبين الذين يرفضون مفارقة الأوثان والأوهام والباطل، أي يحذرهم ويخوّفهم عقاب الله.
قوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} أي ليس من أمة من الأمم إلا سلف فيها نبي ينذرهم بأس الله ويخوفهم عقابه ويحذرهم سوء المصير.