قوله: (وهدى للعالمين) الهدى يعني الرشاد والدلالة - هداه هدى وهديا وهداية، أي أرشده ودله - ومنه هداه الله الطريق 162 وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها.
قوله: (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) أي فيه علامات ظاهرات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم في الحجر الذي قام عليه فكان لقدميه فيه أثر - وقوله: (مقام) مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره منهن - أي في آيات بينات منهن مقام إبراهيم.
وقيل: مقام عطف بيان لقوله: آيات بينات - فإن قيل: كيف صح بيان الجماعة (آيات) بالواحد (مقام) ، قيل: اشتمال المقام على الآيات؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة آلاف السنين آية - وقيل غير ذلك 163.
قوله: (ومن دخله كان آمنا) الضمير في قوله: (دخله) يراد حرم مكة: فإذا دخله الخائف فإنه يأمن من كل سوء، كذلك كان الأمر في الجاهلية، كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه أو يزعجه حتى يخرج - قال ابن عباس في تأويل هذه الآية: من عاذ بالبيت، أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى فإذا خرج أخذ بذنبه، وهو مذهب الحنفية إذ قالوا: من لزمه القتل في الحل بقصاص أوردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له إلا أنه لا يُؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج 164.
ومثل ذلك قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) .
وفي تحريم مكة من حيث حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها ونحو ذلك من وجوه التحريم؛ فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة:"لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"وقال يوم فتح مكة:"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار - فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى 165 خلاها"وكذلك أخرج مسلم عن أبي شريح العدوي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم فتح مكة:"إن مكة حرمها الله ولمي حرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب".
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول:"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت"166.
على أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) وثم قولان رئيسان في ذلك: