فهرس الكتاب
قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
يبين الله أن الكافرين بجحودهم وتكذيبهم لم يقدروه بما هو أهله من التقدير - وهو قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظّموه حق تعظيمه - تعظيم يليق بكماله وجلاله وعظيم سلطانه - لا جرم أن الله حقيق بالطاعة والعبادة وجميل الثناء والشكران - وهو مستوجب الإفراد بالإلهية والربوبية ليكون له وحده كامل الطاعة والإذعان - ومن لم يؤمن بهذه الحقيقة فعصى ربه أو استكبر عن عبادته أو اتخذ معه آلهة أخرى، فما عظَّمه بما هو أهله.
قوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} {وَالْأَرْضُ} ، مبتدأ مرفوع - و {قَبْضَتُهُ} خبر، و {جَمِيعًا} ، منصوب على الحال 17 أي الأرض يوم القيامة في إحاطته وملكوته وتحت قدرته وإرادته {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} {مَطْوِيَّاتٌ} من الانطواء وهو الفناء والذهاب - والمراد باليمين هنا القوة والقدرة - وقيل: مطويات، من الطيِّ وهو ضد النشر - ومطويات بيمينه؛ أي في قدرته - قال ابن عباس في ذلك: ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم.
قوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ينزِّهُ الله نفسه ويتعالى علوًّا عظيما عما يشرك به المشركون من اتخاذ الآلهة معه والأنداد 18.
قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } .
ذلك إخبار من الله عن أهوال القيامة وعما يجري فيها من قوارع وقواصم كونية ترتج من أجلها الأرض والسماوات وتتزلزل من شدتها سائر المخاليق والكائنات ويكشف عن ذلك هذه الآيات المريعة العظام التي تأخذ بالقلوب وتقرع المشاعر والوجدان والأبدان - وهو قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} وهو قرن هائل، الله أعلم ماهيته وحقيقة تكوينه ومدى حجمه وعظمته - وقد وُكِّل بالنفخ فيه ملك عظيم وهو إسرافيل عليه السلام؛ فإنه قد انتقم هذا القرن منذ خلق - ومازال ينتظر أن يأمره الله بالنفخ إيذانا بالموت والفناء - وهو قوله: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} وهذه هي النفخة الأولى، وهي نفخة الموت التي تسبق نفخة البعث - وقيل: هذه هي النفخة الثانية التي تأتي عقب نفخة الفزع - وكيفما تكن، فإن هذه النفخة تموت فيها الأحياء كافة وتضطرب بها نواميس الحياة والكون كله ويتبدل كل شيء تبديلا.
قوله: {إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} واختلفوا في المستثنين من الصعق عقب النفخ - فقيل: المراد بهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت - وقيل: المراد بهم الشهداء؛ فهم أحياء عند ربهم يرزقون - وهم يومئذ لا يفزعون بل هم حول العرش آمنون ساكنون.
قوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} وتلك هي نفخة البعث والنشور والقيام من القبور - فإذا وقعت قام الأموات من أهل الأرض والسماء من قبورهم وأماكنهم أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر الله فيهم أو ينتظرون ما يفعله الله بهم.