ويستفاد من الآية: وجوب ستر العورة في الصلاة أو خارجها، وذلك في حق الرجل والنساء - وهو ما بيناه سابقا - وفي ذلك أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ارجع على ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة) وقوله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} أي البسوا ثيابكم لموارة عوراتكم - والأمر المطلق يفيد الوجوب - والواجب هنا إنما هو في ستر العورة وليس في سائر وجوه الزنية - والزينة في الأصل كل ما يتزين به 43؛ فهي تعم كل ما يتزين به المرء من اللباس وتوابعه - والآية لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة فقد فهم منها في الجملة استحباب التجمل عند الصلاة لا سيما يوم الجمعة ويوم العيد؛ ومن الزينة المستحبة أيضا الطيب والسواك واللباس الحسن - ومن أفضل اللباس البياض؛ فقد روي الإمام أحمد عن ابن عباس مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض؛ فغنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد؛ فغنه يجلو البصر وينبت الشعر) .
وأخرج أحمد واهل السنن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطر وأطيب، وكفنوا فيها أمواتكم) .
قوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} الأمر هنا يفيد الإباحة، فقد احل الله لعباده الأكل من صنوف الطعام، والشراب من أنواع الشراب شريطة اجتناب كل محظور منهما - ونهي عن الاسراف - والمراد به تحريم الحلال؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام إلا ما كان للقوت، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم تعظيما لحجهم - فرد الله في هذه حكمهم وما كانوا يعتقدونه، إذ أباح لهم الأكل والشراب شريطة عدم الإسراف - ومعناه (الإسراف) موضع تفصيل - فقد قيل: المراد به هنا تحريم الحلال أو التعدي إلى الحرام - وقيل: معناه الشره في الأكل أو الإفراط في الطعام والشراب - وذكر عن عمر بن الخطاب قوله في ذلك: (إياكم والبطنة 44 من الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما؛ فإنها أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغضن الحبر 45 السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه) .
وقيل: الإسراف هو مجاوزة الحد في كل شيء في ذلك الأكل والشراب واللبس وغير ذلك من وجوه الاستمتاع والزينة - وفي ذلك روي الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف؛ فإن الله يجب أن يرى نعمته على عبده) .
روي الإمام أحمد كذلك عن المقداد بين معد يكرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) .