وفي هذا الصدد من الكلام نقل ابن كثير رحمه الله عن كثير من العلماء قولهم: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة فبعثه الله بمعجزات بهرت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداومة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد - وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا لو كان بعضهم لبعض ظهيرا - وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا 99.
قوله: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة) (مصدقا) منصوب على الحال من جئتكم - وبيان ذلك أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان مؤمنا بالتوراة مقرا بها على أنها من عند الله - وكلك الأنبياء كلهم كانوا يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسالاته وإن اختلفت بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك.
على أن تصديق عيسى عليه السلام للتوراة معناه اعتقاده أن كل ما فيها حق وصواب - وهذه الحقيقة لا ينقضها قوله تعالى: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) إنه لا تناقض بين المعنيين البتة - فتأويل هذه الآية بأمرين:
الأول: أن أحبار بني إسرائيل كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة مفتراة وكانوا قد نسبوها إلى كليم الله موسى عليه السلام - فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها.
الثاني: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات.
وقال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة، وذلك كله ليس قدحا في كون عيسى مصدقا بالتوراة؛ لأن المقصود هو التخفيف عن بني إسرائيل مما أثقل كاهلهم وأعنتهم من الأحكام - 100
وجملة القول أن قوله تعالى: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح.
قوله: (وجئتكم بآية من ربكم) أعاد ذكر المعجزات ليؤثر في قلوبهم وطبائعهم تأثيرا - ثم خوفهم تخويفا إذ قال: (فاتقوا الله وأطيعون) أي اتقوا الله يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه المنزل إليكم، وأوفوا بعهد الله الذي عاهدتموه فيه وأطيعون فيما دعوتكم إليه.
وقوله: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) هذا تأكيد على الإقرار المطلق من عيسى عليه السلام بالعبودية لله، أي أنه عبد من عباد الله، وأن الله رب الأرباب، وأنه صاحب الإلهية بغير نديد، وأيما اختلاق متكلف من الكلام الزائف عن إلهية عيسى أو بُنوته لله لا جرم أنه محض ظلم وهراء، بل إنه اعتداء صارخ ومريع على جلال الله في عليائه وملكوته.