فهرس الكتاب

الصفحة 1964 من 2536

قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ} ما: نافية، وذلك إخبار من الله - عز وعلا - أنه قد انتقم لعبده المؤمن من هؤلاء الطغاة الظالمين، الذين كذبوا رسله وقتلوا وليه - وأخبر أيضا أنه لم ينزل عليهم ملائكته من السماء لإهلاكهم وتدميرهم؛ فقد اقتضت حكمة الله البالغة أن يعذب مختلف الأمم من المشركين بمختلف الوجوه من العذاب - وقد أخذ الله هؤلاء المجرمين من أهل أنطاكية بالصيحة، وهو قوله: تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} .

{إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي: صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة واحدة فأخذهم الله بها أخذا شديدا، {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} من الخمود - كنّى به عن سكوتهم بعد حياتهم، كالنار تخمد بعد توقدها - كذلك يأخذ الله الظالمين المجرمين الذين يحادون الله ورسوله، ويتمالئون على الإسلام لاجتثاثه من الأذهان والقلوب، أو يأتمرون بالمسلمين ليبيدوهم إبادة أو يقتّلوهم تقتيلا - وليس الله بغافل عن أفاعيل الظالمين المجرمين ظ، ولكنه يُملي لهم ويمدُّ لهم من وجوه الخير والمنعة والسلطان والملذات ما يتنعّمون به، ويتيهون خيلاء وغرورا، حتى إذا حان القدر، وحق عليهم القول بالعذاب أخذهم الله شر أخده، كما فعل بأهل أنطاكية - وفي ذلك تخويف لمشركي قريش وتلويح لهم بالانتقام والعقاب الأليم، إنْ لم يبادروا بالإيمان والطاعة والتحرر من إسار الوثنية والضلال - 15

قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} الحسرة: شدة الندم والتحسُّر: بمعنى التلهف.

والتحسير معناه: الإيقاع في الحسرة 16 - وحسرة منصوبة على المصدر، والمنادى محذوف، وتقديره: يا هؤلاء تحسَّروا حسرة 17 وهذا نداء للحسرة على هؤلاء الظالمين الخاسرين فهم كأنهم أحقّاءُ بأن يَتَحسَّر عليهم المتحسِّرون، ويتلهّف عليهم المتلهفون لما يصيرون إليه من شديد الوبال وسوء المآل.

قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} الظالمون الخاسرون أحقاء بالتحسُّر عليهم بما ضيعوا من أمر الله وبما فرَّطوا في جنبه - ويدل على تقصيرهم الشديد، وتفريطهم البالغ أنهم ما كان يأتيهم من رسول يدعوهم إلى الهدى إلا سخروا منه وأذوه وكادوا له أشد الكيد.

قوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} {كمْ} ههنا خبرية، فهي مفعول به للفعل {أَهْلَكْنَا} - والتقدير: كثيرا من القرون أهلكنا - وقوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} بدل من قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا} 18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت